البرت ديماس
اهلا بالزائر الكريم

البرت ديماس

احلي منتدي في العالم
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الكتاب : قصة الحضارة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:00 am

يقضي فيها أخريات أيامه، ويقول لزوجته في سني زواجهما الأولى. "فلنعش على الدوام كما نعيش الآن، ولنحتفظ بالاسمين اللذين سمى بهما كلانا الآخر في بداية حبنا... ويجب أن يبقى كلانا في سن الشباب، وستكونين على الدوام جميلة في عيني، وعلينا ألا نحسب حسابا لمر السنين"(26). على أنهما سرعان ما فقدا أول طفل رزقه منها، وقد كتب يحي ذكراه بعبارات تفيض بالحب فقال: "لن أتركك دون أن أبكيك يا بكر أبنائي وباسمي. لقد اختطفك الموت منا في الوقت الذي كنت تحاول فيه أن تبدل لغطك إلى أولى كلمات الطفولة... إنك الآن ترقد على صدر والد جدك الذي تشاركه قبره"(27). وماتت زوجته ولم يمض على زواجهما الموفق إلا زمن قليل، وتركت له ابنا وبنتا؛ وقد بلغ من حبه ووفائه لها أنه لم يتزوج قط بعد؛ ووصف في شيخوخته ألمه لفقدها ولوعته التي لم يخففها مر السنين، كما وصف السكون المحزن المخيم على بينهما الذي طالما عرف عناية يديه وأحس بنغم وقع قدميها.
وكان الناس في أيامه يحيون قصائده لما فيها من عواطف رقيقة، وصور ريفية جميلة، ولغتها اللاتينية الخالصة، ولشعرها الذي لا يكاد يقل في رقته عن شعر فرجيل.
وكان بولينس الذي أصبح فيما بعد من القديسين، يشبه نثره بنثر شيشرون، وكان سيماخوس يقول إنه لا يستطيع أن يجد في شعر فرجيل شيئا أجمل من قصيدة موزلا Mosella التي وصف فيها أوسنيوس نهر الوزل. وكان الشاعر قد أولع بذلك النهر حين كان مع جراتيان في ترييه. ويقول في وصفه إنه يجري وسط جنة حقه من الكروم، والبساتين والقصور الصغيرة ذات الحدائق، والمزارع الفاخرة الغنية، ونكاد نحس في وقت ما بخضرة شواطئه، وموسيقى جريانه. ثم لا يلبث أن يتدلى من هذا المستوى الرفيع فيصف في عبارات تتكرر مرارا ما في مجرى النهر من سمك لطيف. وتذكرنا هذه الرغبة الجامحة في ذكر الأقارب
صفحة رقم : 4292

(13/201)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة

والمدرسين، والتلاميذ، والسمك بكتابات هوتمان Whitman ولكنها ينقصها شعور هوتمان الفياض وفلسفته القوية اللذين يخففان من سآمتها. وسبب ذلك النقض أن أوسنيوس بعد أن ظل ثلاثين عاما يعلم النحو كان يصعب عليه أن يضمن عباراته شيئا غير العاطفة الأدبية. فقصائده مسبحة صداقة، وأوراد مدح، ولكن الذين لم يعرفوا منا أمثال أولئك الأعمام والأخوال الذين نفتتن بحبهم، أولئك الأساتذة الذين يغرونا بتمجيدهم قلما يتأثرون بهذا المديح.
ولما توفي فلنتيان الأول (375)، وجلس جراتيان على عرش الإمبراطورية استدعى إليه معلمه القديم، وأفاض عليه وعلى من معه كثيرا من المنح السياسية. فعين أوسنيوس حاكما على إليركم Illyricum وإيطاليا، وأفريقية وغالة، واحدة بعد واحدة في فترة قصيرة، ثم عين آخر الأمر قنصلا وهو في سن التاسعة والستين، وبفضل مشورته أصدر جراتيان مراسيم تفرض إعانات من الدولة لشؤون التعليم، وللشعراء، والأطباء، ولحماية روائع الفن القديم. وبفضل نفوذه أيضا عين سيمكس حاكما على روما، وبولينس واليا على إحدى الولايات وحزن أوسنيوس حين اعتزل بولينس شؤون الدنيا وانقطع للدين، لأن الإمبراطورية المهددة من جميع نواحيها كانت في حاجة إلى أمثاله. نعم إن أوسنيوس نفسه كان أيضا مسيحيا، ولكن لم يكن جادا كل الجد في مسيحيته، فقد كانت ميوله، وموضوعات شعره، وأوزانه، وما فيه من أساطير كلها وثنية وسارة مطربة.

(13/202)


--------------------------------------------------------------------------------

ولما بلغ الشاعر سن السبعين عاد إلى بردو حيث عاش عشرين سنة أخرى. وكان وقتئذ حيا، في وسعه أن يوفق في قصائد البنوة التي نظمها في شبابه وبين حب الأجداد لأحفادهم حين يبلغ هؤلاء الأجداد الشيخوخة. انظر إليه وهو يقول لحفيده: "لا تخف، وإن كان صدى الضربات الكثيرة يتردد في المدرسة، وإن تجهم وجه المدرس، ولا ترتعد فرقا إذا سمعت في أثناء ساعات الصباح صراخا أو طرق أذنيك صوت العصا، فإذا كان المدرس يتخذ العصا
صفحة رقم : 4293
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة

صولجانا يهزه بيده، وإذا رأيت لديه مجموعة كاملة من العصي... فليس هذا أو ذاك إلا مظهرا خارجيا يبعث به الخوف الكاذب في النفوس. لقد مر أبوك وأمك بهذا كله في أيامهما، ثم عاشا بعدهما ليخففا عني في شيخوختي الهادئة الصافية عبء السنين"(28). وما أسعد حظ أوسنيوس إذ عاش ومات قبل أن يجتاح البلاد تيار البرابرة الجارف.

(13/203)


--------------------------------------------------------------------------------

وكانت منزلة أبلينارس سيدونيوس Appolinaris Sidonius في النثر الغالي أثناء القرن الخامس كمنزلة أوسنيوس في الشعر الغالي في القرن الرابع. لقد خرج سيدونيوس على العالم فجأة مدينة ليون (432) حيث كان يقيم أبوه حاكم غالة. وكان جده قد شغل هذا المنصب نفسه قبل أبيه، وكانت أمه من أقارب أفتوس Avitus الذي جلس على عرش الإمبراطورية في عام 455. والذي تزوج سيدونيوس بابنته عام 452. وكانت كل هذه سبلا ممهدة يصعب على الإنسان أن يجد خيرا منها. وجاءت إليه ببيانلا ببائنة هي قصر ريفي مترف بالقرب من كليرمنت Clermont. وقد قضى عددا من سني حياته في الذهاب لزيارة أصدقائه من النبلاء والعودة من هذه الزيارات. وكان أولئك الأصدقاء أناسا ذوي ثقافة ورقة يميلون إلى الدعة والمغامرة(29)، يعيشون في بيوتهم الريفية، وقلما يغمسون أيديهم في رجس السياسة. وكان في وسعهم أن يحملوا حياتهم الناعمة المترفة من الغزاة القوط. ولم يكونوا يهتمون بحياة المدن، فقد أخذ ذوو الثراء الواسع من الإنجليز والفرنسيين في ذلك العهد يرون ما في حياة الريف من متع لا توجد في المدن، وقد جمعت هذه البيوت الريفية المنبسطة ذات الحدائق كل وسائل الراحة وأسباب الجمال، من أرض مرصوفة بالفسيفساء، وأبهاء ذات عمد، وجدران منقوشة عليها مناظر طبيعية، وتماثيل من الرخام أو البرونز ومواقد فخمة، وحمامات، وحدائق وملاعب تنس(30)، ومن حولها غياض يستطيع الرجال والسيدات أن يصيدوا فيها ويطلقوا البزاة. وكان بعضها يحتوي 125 حجرة، وفي كل منها
صفحة رقم : 4294
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة

(13/204)


--------------------------------------------------------------------------------

إلا القليل النادر مكتبة عامرة بالكتب، فيها كتب الوثنين القديمة وبعض النصوص المسيحية الجليلة(31). وكان بعض أصدقاء سودونيوس نفسه من هواة جمع الكتب ولا ريب في أنه كان في غالة كما كان في روما كثير من الأثرياء الذين يقدرون تجليد الكتب الجميلة أكثر مما يقدرون محتوياتها وحدها، ويقنعون بالثقافة التي يستطيعون أن يحصلوا عليها من جلود كتبهم.
ويضرب لنا سيدونيوس أحسن مثل لهذه الحياة اللطيفة -حياة حسن الضيافة والمجاملة، والبهجة، والآداب الراقية، وما فيها من شعر جيد الصقل، ونثر حلو النغم. ولما ذهب أفنوس إلى روما ليجلس على عرش الإمبراطورية، صحبه سودنيوس، واختير ليلقي بين يديه خطاب الترحيب (456)، ثم عاد إلى غالة بعد سنة من ذلك الوقت مع أفنوس المخلوع؛ ولكننا نجده في روما مرة أخرى في عام 468 يشغل منصب محافظ المدينة حين كانت الدولة في آخر مرحلة من مراحل الانهيار. وكان الرجل يسير مطمئنا وسط هذه الفوضى، فاستطاع بذلك أن يصف المجتمعات العليا في غالة وروما في رسائل من طراز رسائل بلني وسيماخوس، ولا تقل عن رسائلهما مباهاة وظرفا.
ولم يكن الأدب في ذلك الوقت يجد ما يتحدث عنه إلا القليل، وقد بذل في هذا القليل من العناية ما أبقى على شكل هذا الأدب وسحر ألفاظه بعد أن ذهب كل ما عداهما، وخير ما يمكن أن يقال عن هذه الرسائل أنها حوت ما في طبيعة الرجل المهذب المتعلم من تسامح وظرف وتفاهم وتعاطف. وهي الصفات التي أزدان بها أدب فرنسا منذ تلك الأيام التي لم فيها أدبا فرنسيا. وقد جاء سيدونيس إلى غالة بما يمتاز به الرومان من حب الحديث الممتع اللطيف الذي بدأ بشيشرون وسنكا وانتقل عن طريق بلني وسيماخوس، ومكروبيوس، وسيدونيوس إلى مونتاني ومنتسكيو، وفلتير، ورينان، وسانت بيف، وأناتول فرانس، وهؤلاء يكونون سلسلة متصلة الحلقات، ومن نعم الله أنهم
صفحة رقم : 4295

(13/205)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الأيام الخيرة من تاريخ غالة القديمة

يكادون يكونون كلهم ذوي عقلية واحدة.
وإذ كنا لا نحب أن نعطى القارئ صورة غير صادقة لسودونيوس، فلابد لنا أن نضيف هنا أنه كان مسيحيا صالحا، وأسقفا شجاعا. وقد وجد الرجل نفسه، على حين غفلة ، وعلى كره منه، يندفع من منزلته المدنية العلمانية إلى أسقفية كليرمنت. وكان على الأسقف في تلك الأيام أن يكون حاكما إداريا وهادا روحيا في آن واحد. وقد كان ذوو التجارب والثراء أمثال أمبروز وسيدونيوس يمتازون بمؤهلات أقوى أثرا وأعظم نفعا في مناصبهم الجديدة من علوم الدين مهما تعمقوا فيها. وإذا كان سيدونيوس لم يحصل من هذه العلوم إلا القليل، فإنه لم يكن يصب اللعنات الدينية إلا على القليلين، وكان بدل أن يشغل نفسه بهذا يعطى صحافة الفضية للفقراء، ويغفر ذنوب الناس بسرعة روعت الكثيرين من رجال الدين. ونتبين من إحدى رسائله أنه كان في بعض الأحيان يقطع صلوات المصلين في كنيسته حين يتناولوا بعض المرطبات(23). ثم حطمت الحقيقة المرة هذه الحياة الممتعة حين قرر أوريكEuric ملك القوط الغربيين أن يضم أوفرني Auvergne إلى البلاد الخاضعة لحكمه. وظل القوط يحاصرون كليرمنت عاصمة هذه الولاية كلما حل فصل الصيف أربع سنين متوالية. وكان سيدونيوس يقاتلهم بالسياسة وبالصلوات، ولكنه عجز عن صدهم. ولما سقطت المدينة أخر الأمر، أسر، وسجن في حصن بالقرب من كاركسن Carcassonne (475)؛ ثم أطلق سراحه بعد علمين وأعيد إلى كرسيه. ولسنا نعرف كم من الزمن عاش بعدئذ، ولكنا نعلم أنه قبل أن يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره كان يتمنى أن "يتخلص من آلام الحياة الحضرة ومتاعبها بأن يعجل الله بمنيته"(32) ذلك أنه كان قد فقد إيمانه بالإمبراطورية الرومانية، وبنى كل آماله في تقدم الحضارة على الكنيسة الرومانية. وقد

(13/206)


--------------------------------------------------------------------------------

غفرت له الكنيسة ما في شعره من نزعة وثنية وضمته إلى جماعة القديسين.

صفحة رقم : 4296
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

2- الفرنجة
340-511
أرخى ليل الهمجية سدوله على غالة بعد موت سيدويوس. على أننا ليس من حقنا أن نبالغ في ظلام هذا الليل. فقد ظل الناس في خلاله يحتفظون بمهاراتهم الاقتصادية، فكانوا يتجرون" ويسكون النقود، ويقرضون الشعر، ويشتغلون بالفن، وقد بلغت مملكة القوط الغربيين في جنوبي غالة الغربي أيام ملكيها أوريك Euric(484-507) وألريك الثاني (484-507) درجة من النظام، والحضارة، والرقى، أطلقت لسان سيدونيوس نفسه بالثناء عليها(34). وفي عام 506 نشر أريك الثاني موجزا من القوانين لمملكته، وكان دستورا مستنيرا بالنسبة لغيره من دساتير ذلك الوقت، فقد كان يقرر العلاقة بيت السكان الرومان الغالبين والفاتحين على قواعد ثابتة قائمة على العقل. وسن ملوك برغندية في عام 510 دستورا شبيها بهذا، وكان هؤلاء الملوك قد أسكنوا شعبهم في جنوبي غالة الشرقي وبسطوا سلطانهم على هذا الإقليم بطريق السلم، وظلت أوربا اللاتينية تحكمها الشرائع القوطية والبرغندية وشرائع الفرنجة التي لا تختلف عنهما كثيرا، حتى عادت الشرائع الرومانية إلى الوجود في بولونيا في القرن الحادي عشر الميلادي.
ويبدأ التاريخ يحدثنا عن الفرنجة في عام 240 حين هزمهم الإمبراطور أورليان بالقرب من مينز، واستقر الفرنجة الربواريون Ripuarian (أي الشاطئيون) في بداية القرن الخامس من منحدرات الرين الغربية، واستولوا على كولوني (463)، واتخذوها عاصمة لهم ، وبسطوا سلطانهم على وادي الرين من آخن Aechen إلى متز. وبقيت بعض قبائل الفرنجة على ضفة النهر الشرقية وأطلقوا اسمهم على فرنكونيا Franconia. وربما كان الفرنجة الساليون The Salic Franks
صفحة رقم : 4297

(13/207)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

وقد اشتقوا اسمهم من نهر سالا Sala(المعروف الآن باسم إجسل Ijssel الذي يجري في الأرض الوطيئة. ثم تحركوا من هذا الإقليم نحو الجنوب والغرب، واحتلوا حوالي عام 356 الإقليم الواقع بين نهر الموز Meuse والمحيط ونهر السوم Somme. وكان أكثر انتشارهم بطريق الهجرة السليمة بل أن الرومان أنفسهم كانوا يدعونهم أحيانا إلى أن يعمروا الأراضي القليلة السكان. وبهذه الوسائل المختلفة أصبحت غالة الشمالية نصف فرنجة قبل أن يحل عام 430. وقد جاء الفرنجة معهم بلغتهم الألمانية وعقيدتهم الوثنية، وكان من أثر هذا أن اللغة اللاتينية لم تعد اللغة التي يتحدث بها المقيمون على مجرى الرين الأدنى، كما لم تعد المسيحية دين هؤلاء الأقوام.

(13/208)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:04 am

--------------------------------------------------------------------------------

ويصف الفرنجة الساليون أنفسهم في مقدمة "القانون السالي" بأنهم " الشعب المجيد، الحكيم في مجالسه، النبيل في جسمه، الذي تشع منه الصحة والعافية، الممتاز بجماله، الجريء، السريع، الذي لا تلين له قناة ... هذا هو الشعب الذي ألقى على عاتقه نير الرومان(35). ولم يكونوا يعدون أنفسهم برابرة بل كانوا يقولون إنهم رجال أحرار انتزعوا حيتهم بأيديهم، ومعنى لفظة فرنجة Franks هو الحر، الذي نال حقوقه السياسية. وكانوا طوال القامة، شقر الوجوه، يجمعون شعرهم الطويل يعقدونه فوق رؤوسهم، ثم يتركونه يسقط منها أشبه ما يكون بذيل الحصان، وكانوا يطيلون شواربهم، ويحلقون لحاهم، ويشدون قباءهم على وسطهم بأحزمة من الجلد مغطاة في بعض أجزائها بقطع من الحديد المطلي بالميناء. وفي هذه المنطقة يعلق السيف. والبلطة الحربية، وبعض أدوات الزينة كالمقصات والأمشاط(36)؛ وكان الرجال والنساء مولعين بالحلي، يتزينون بالخواتم، والأساور وعقود الخرز. وكان كل رجل قوي الجسم جنديا محاربا، يتعلم منذ صباه الجري، والقفز، والسباحة، وإصابة الهدف بالحربة أو البلطة. وكانت الشجاعة عندهم أسمى الفضائل كلها، من أجلها يغتفر
صفحة رقم : 4298
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

القتل، والنهب، والاغتصاب، ولكن التاريخ، بما يلقيه من ضوء ساطع على بعض الحوادث دون بعضها الآخر، يخطئ في تصوير الفرنجة إذ يدخل في روعنا أنهم أقوام محاربون لا غير. والحق أن فتوحهم ووقائعهم الحربية لم تكن أكثر من فتوحنا نحن ووقائعنا، كما كانت أقل منها أتساعا وتخريبا. ويسدل من شرائعهم على أنهم كانوا يشتغلون بالزراعة والصناعات اليدوية، وانهم أنشئوا في شمالي غالة الشرقي مجتمعا ريفيا مزدهرا يتمتع عادة بالسلام.

(13/209)


--------------------------------------------------------------------------------

وقننت الشرائع السالية في بداية القرن السادس، وأكبر الظن أن ذلك كان في نفس الجيل الذي شهد آخر مرحلة من مراحل تطور قوانين جستنيان الرومانية. ويقولون إن "أربعة من الزعماء الموقرين" هم الذين كتبوه، وإن ثلاثة جمعيات شعبية متتالية بحثته وأقرته(37). وكانت الطريقة المتبعة في محاكم المتهمين هي طريقة التحكيم الإلهي والاستعانة بالشهود الذين يقسمون أن المتهم برئ. فإذا تعهد عدد كاف من الشهود الصالحين لهذه الشهادة أن المدعي عليه طيب الخلق، برئ من أية تهمة لا وجد دليل قاطع على أنه ارتكبها. وكان عدد الشهود يختلف تبعا لجسامة الجرم المنسوب إلى المتهم : فسبعة وسبعون شاهدا يكفون لتبرئة المتهم بالقتل، ولكن لما أن اتهمت إحدى ملكات فرنسا في عفتها تطلب الأمر ثلاثمائة من النبلاء يشهدون بصحة انتساب ابنها إلى أبيه(38). فإذا ظل الأمر بعد هذا موضعا للشك اتبع قانون التحكيم الإلهي. من ذلك أن المتهم كانت تربط يداه وقدماه ويلقى في النهر، فإذا غطس كان بريئا، وإذا طفا كان مذنبا (وذلك لأن الماء كانت تقرأ عليه رقى خاصة في حفل ديني تجعله يرفض الشخص المذنب)(39)؛ أو كان يطلب إلى المتهم أن يمشي حافي القدمين في نار متقدة أو فوق حديد يحمى حتى يحمر من الحرارة؛ أو يمسك بيده قطعة من الحديد محمية إلى هذه الدرجة ويظل قابضا عليها مدة محددة من الزمن؛ أو يضع ذراعه عارية في وعاء به ماء يغلي ويخرج شيئا من قاع الإناء؛ أو يقف
صفحة رقم : 4299
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

(13/210)


--------------------------------------------------------------------------------

المدعي والمدعي عليه ويمدان ذراعيهما على هيئة صليب ويظلان كذلك حتى تثبت التهمة على أحدهما إذا أنزل ذراعه من شدة التعب؛ أو يأخذ المتهم ماء القربان المقدس، فإذا كان مذنبا فلا بد أن تحل به نقمة الله. وكانت المبارزة تفصل أحيانا في النزاعيين حرين إذا بقى بعد إيراد الأدلة القانونية مجال للشك المعقول. وتدل الأبستاق على أن التحكيم الإلهي بالماء المغلي كان من الوسائل التي يستخدمها الفرس الأقدمون. وقد ورد في قوانين مانو Mnau (قبل عام 100م) شئ من التحكيم الإلهي عند الهنود بالإغراق في الماء، كما ورد ذكر التحكيم الإلهي بطريق النار أو الحديد المحمى في مسرحية أنتيجون لسفكليز(40). أما الساميون فكانوا يرون أن هذا التحكيم يأباه الدين ولذلك كانوا يرفضونه، وكان الرومان يرون أنه خرافة، أما الألمان فقد ساروا فيه إلى آخر مرحله؛ وقبلته الكنيسة المسيحية وهي كارهة، وأحاطته بمراسيم دينية، وأيمان مغلظة.

(13/211)


--------------------------------------------------------------------------------

والمحاكمة بالاقتتال قديمة قدم التحكيم الإلهي. ويصفه ساكسو جراماتيكوس Aaxo Grammaticus، بأنه كان إجباريا في الدنمرقة في القرن الأول الميلادي؛ وتدل شرائع الإنكليز؛ والسكسون، والفرنجة، والبرغنديين، واللمبارد على أنه كان شائعا بينهم، وقد وجده القديس بتريك في ايرلندة، ولما أن شكا مسيحي روماني إلى جندوباد Oondobab ملك برغانديا وقال له أن هذا التحكيم لا يحكم على الجريمة بل على المهارة، أجابه الملك بقوله :"أليس حقا أن نتائج الحروب المبارزات إنما تتقرر بقضاء الله، وأن العناية الإلهية تؤيد بنصرها القضية العادلة ؟"(41). وكان كل ما حدث في هذا الأمر بعد ا، اعتنق البرابرة الدين المسيحي أن تبدل اسم الإله الذي يحكمونه فيما بينهم. وليس في وسعنا أن نحكم على هذه العادات أو نفهمها إلا إذا وضعنا أنفسنا في مكان قوم يؤمنون إيمانا لا يقبل الجدل بأن الله هو الذي يسبب الحوادث جميعها، وأنه لا يرضى عن أي حكم غير عادل. وأمام هذه التجربة المرعبة كان المدعون الذين لا يثقون
صفحة رقم : 4300
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

من عدالة قضاياهم أو من قوة بيناتهم يترددون كثيرا قبل أن يشغلوا المحاكم بقضاياهم وشكايتهم؛ كما أن المتهمين المجرمين كانوا يتهربون من التحكيم الإلهي ويعرضون أن يؤدوا بدلا منه تعويضا للمدعين.

(13/212)


--------------------------------------------------------------------------------

ذلك أنه كان لكل جريمة ثمنها، وكان في وسع المتهم عادة أن يفتدي نفسه بأن يؤدي التعويض المقرر للجريمة المتهم بها على أن يكون ثلثه للحكومة، ثلثه لمن وقعت عليه الجريمة أو لأسرته، وكان المبلغ المفروض يختلف باختلاف منزلة من وقعت علية الجريمة، ولهذا كان المجرم الملم بالشئون الاقتصادية يدخل في حسابه عددا كبيرا من الحقائق. فإذا لطم رجل يد امرأة في غير حياء فرضت عليه غرامة مقدارها خمسة عشر دينارا ( نحو دولارين أمريكيين وربع دولار)؛ وإذا لطم عضدها غرم خمسة وثلاثين دينارا (25ر5 دولارات)، فإذا مس صدرها بغير رضاها غرم خمسة وأربعين دينارا (75ر6 دولارات)(42). ولم يكن هذا التقدير باهظا إذا قيس بغيره من الغرامات : فقد كان جزاء اعتداء روماني على فرنجي أو سرقته بإكراه غرامة قدرها 2500 دينار (375دولار)؛ وتخفض هذه الغرامة إلى 1400 دينارا إذا اعتدى فرنجي على روماني أو سرقه؛ إذا قتل فرنجي رومانيا غرم القاتل 8000 دينار تخفيض إلى أربعة آلاف(43) إذا كان المقتول رومانيا؛ إلى هذه الدرجة انحطت منزلة الروماني العظيم في أعين الفاتحين، وإذا لم ينل المعتدي عليه أو أقاربه للتعويض الكافي، كان من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم من المعتدي؛ وبهذه الطريقة كانت سلسلة الانتقام وسفك الدماء تدوم بين الخصوم عدة أجيال، وكانت الغرامات والبارزات القضائية خير الوسائل التي
صفحة رقم : 4301
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

استطاع الألمان البدائيون ابتكارها لكبح جماح غريزة الانتقام وإحلال القانون محلها.

(13/213)


--------------------------------------------------------------------------------

ونصت أهم مادة في القانون السالي على أنه "لا يجوز أن ترث امرأة شيئا من الأراضي السالية (المادة السادسة). واعتمدت فرنسا على هذه المادة في القرن الرابع عشر فرفضت ادعاء الملك إدوارد الثالث ملك إنكلترا حقه في عرش فرنسا الذي يرثه عن طريق أمه إزابل Esabelle؛ وأدى هذا الرفض إلى نشوب السنين المائة. وكانت هذه المادة مقصورة على الأملاك الثابتة (العقارات)، التي يفترض أنها تحتاج في حمايتها إلى قوة الرجال العسكرية، ويمكن القول بوجه عام إن القانون السالي لم يكن يرفع من شأن النساء. نعم إن دية المرأة كانت ضعفي دية الرجل(44)، لأنهم كانوا يدخلون في تقديرها أنها قد تكون أما للكثيرين من الرجال، ولكنه يفعل بهن ما يفعله القانون الروماني في أوائل عهده، فيضعهن على الدوام تحت وصاية آبائهن أو أزواجهن أو أبنائهن. وقد جعل القتل عقاب المرأة الزانية، ولكنه لم يكن يعاقب الزانى(45)، وكان يبيح الطلاق للرجل متى شاء هواه(46). وكانت العادة تبيح لملوك الفرنجة بأن يتزوجوا بأكثر من واحدة، وإن لم يبح ذلك القانون نفسه.
وكان أول ملوك الفرنجة المعروفين باسمهم هو كلوديوChlodio الذي هاجم كولوني في عام 431؛ ولقد هزمه إيتيوس Aetius، ولكن كلوديو نجح في احتلال غالة من شرقها إلى نهر السوم في الغرب، واتخاذ تورناي عاصمة له. وخلفه على العرش ملك آخر يدعى مروفك Merovingian (ابن البحر) -وقد يكون هذا مجرد خرافة- وهو الذي سميت باسمه الأسرة المروفنجيةMerovingian التي حكمت الفرنجة حتى عام 751. وأغوى ابنه كلدريك Childeric باسينا Basina زوجة أحد الملوك الثورنجيين Thuringian؛ فجاءت إليه لتكون ملكته، وقالت: إنها لا تعرف رجلا أحصف منه عقلا، أو أقوى منه جسما،
صفحة رقم : 4302
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

(13/214)


--------------------------------------------------------------------------------

أن أجمل منه خلقا. وولدت له كلوفوس Clovis، الذي أنشأ فرنسا والذي تسمى باسمه ثمانية عشر من الملوك الفرنسيين .
وورث كلوفيس عرش المروفنجيين في عام 841، وكان وقتئذ في الخامسة عشر من عمره، ولم تكن مملكته تشغل وقتئذ إلا ركنا من أركان غالة ، فقد كانت قبائل أخرى من الفرنجة تحكم ارض الترين، وكانت مملكتا القوط الغربيين والبرغنديين القائمتان جنوبي غالة قد استقلتا استقلالا تاما بعد سقوط روما. وكان الطرف الشمالي العربي من غالة، الخاضع بالاسم لحكم روما حتى ذلك الوقت، ضعيفا لا يجد من يدافع عنه، فغزاه كلوفيس، واستولى على الكثير من مدنه وعلى عدد من أكابر رجاله. ثم قبل الفدية منهم. وباع الغنائم، وابتاع الجند والمؤن، والأسلحة، وزحف على سواسون Soissons وهزم جيشا "رومانيا" (486). ثم وسع فتوحه في السنين التالية حتى لامست حدود شبه جزيرة بريطاني، ونهر اللوار. وضم إلى جانبه السكان الغاليين بأن ترك لهم أراضيهم، كما ضم إليه رجال الدين المسيحيين بأن احترم دينهم وأبقى لهم ثروتهم. وفي عام 493 تزوج مسيحية تدعى كلوثيلد Clothilde، وما لبث أن اعتنق بتأثيرها الدين المسيحي على أساس العقائد النيقية، وعمده ريمي الأسقف والقسيس في ريمز أمام حشد من رجال الدين والأعيان، دعوا لهذا الغرض ولحكمة لا تخفى، من جميع أنحاء غالة، ثم تقدم كلوفيس إلى ميدان القتال يتبعه ثلاثة آلاف جندي. وربما كان سبب اعتناق كلوفيس الدين الجديد أنه كان يتوق إلى الوصول إلى شواطئ البحر المتوسط، وأنه كان يرى أن ملك فرنسا خليق بأن يعتنق من أجله هذا الدين. وأخذ أتباع الدين القويم في غالة القوط الغربيين، وغالة البرغنديين، ينظرون إلى حكامهم شررا، وأصبحوا من ذلك الحين حلفاء الملك الفرنجي الشاب في السر أو في العلن.
صفحة رقم : 4303
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

(13/215)


--------------------------------------------------------------------------------

ورأى ألريك الثاني بداية هذا التيار الجارف، وحاول أن يصده بالكلام المعسول، فدعا كلوفيس إلى الاجتماع به، واجتمعا بالفعل في أمبواز Amboise وعقدا ميثاق الصداقة الدائمة، ولكن ألريك قبض على جماعة من الأساقفة أتباع الدين الأصيل بعد عودته إلى طولوز. لتآمرهم مع الفرنجة، فدعا كلوفيس جمعيته الحربية وخطبها قائلا: "يعز على نفسي أرى هؤلاء الأريوسيين يمتلكون جزءا من غالة، فلنخرج لطردهم منها بمعونة الله"(47).
ودافع ألريك عن نفسه بكل ما وسعه الدفاع ومعه شعب منقسم على نفسه؛ ولكنه هزم في فوييه Vouill( القريبة من بواتييه (507). وقتله كلوفيس بيده. "وبعد أن قضى فصل الشتاء في بردو" ، كما يقول جريجوري التوري Gregory Of Tours واستولى على جميع كنوز ألريك التي كانت في طولوز، زحف لحصار أبحوليم Angoul(me. ومن الله عليه بفضله فتساقطت أسوار المدينة من تلقاء نفسها". وها نحن أولاء نرى منذ ذلك الزمن(48) نغمة المؤرخ الإخباري التي بها العصور الوسطى. وكان سجيبرت الشيخ ملك الفرنجة الربواريين حليفا لكلوفس من زمن بعيد. والآن أوحى كلوفيس إلى سديبرت بالميزات التي ينالها بعد موت أبيه. فقتل الابن والده وأرسل كلوفيس إلى القاتل شعائر الود والصداقة ومعها عماله ليقتلوه. فلما تم ذلك لكلوفيس زحف على كولوني وأقنع زعماء الربواريين بأن يرتضوه ملكا عليهم. ويقول جريجوري في ذلك "وجعل الله أعداءه يخرون في كل يوم صرعى تحت قدميه ... لأنه كان يسير أمام الله بقلب سليم، ولأنه كان يفعل ما تقر به عين الله"(49).
وسرعان ما اعتنق الأريوسيون المغلوبون المذهب الصحيح، وسمح لقساوستهم أن يحتفظوا بمناصبهم الدينية بعد أن تخلوا عن الفارق بين المذهبين وهو فارق ليس ذا شأن كبير. ونقل كلوفيس عاصمته إلى باريس وسار إليها مثقلا بالأسرى والعبيد، والدعوات الصالحات، ومات فيها بعد أربع سنين في سن الخامسة
صفحة رقم : 4304

(13/216)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:07 am

--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> الفرنجة

والأربعين. وجاءت الملكة كلوثيلد، التي كان لمعونتها بعض الفضل في إنشاء فرنسا الغالية، "إلى تور بعد موت زوجها ، وأدت الصلاة في كنيسة القديس مارتن، وعاشت في ذلك المكان عفيفة رحيمة طول أيام حياتها"(50).

صفحة رقم : 4305
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

3- المروفنجيون
511-614
كان كلوفيس يتوق إلى أن يكون له أبناء ذكور، وقد كان له قبل وفاته أكثر مما كان يحب، ولهذا قسم مملكته بينهم لكي يتجنب نشوب حرب للوراثة بعد وفاته. فأعطى كلدبرت Childebert الإقليم المحيط بباريس، وولى كلودمر Chlodemer إقليم أورلين Orleans، وأعطى كلوتار Chlotar إقليم سواسون Soissons وثيودريك إقليم متز وريمز وواصل الأبناء بمهمتهم البربرية السياسية المؤدية إلى توحيد فرنسا عن طريق الفتح، فاستولى على ثوررنجيا في عام 530، وعلى برغندية في عام 534، وعلى بروفانس في عام 536، وعلى بافاريا وسوبيا في 555. وعاش كلوتار بعد أن مات اخوته جميعا فورث مما لهم، وكانت غالة تحت حكمه أوسع رقعة من فرنسا في العهود المستقبلة. وقبيل موته في عام 561 قسم غالة مرة أخرى ثلاثة أقسام : إقليم ريمز ومتز المعروف بأستراسيا Austrasia (أي الشرق) وخص به ابنه سجيبرت Sigebert، وبرغندية وأعطاها إلى جنثرام Gunthram، وأعطى إقليم سواسون المعروف بنوستريا Neustria (أي القسم الثاني الغربي) إلى كلبريك Chilperic.
ولقد كان تاريخ فرنسا منذ زواج كلوفيس إلى وقتنا هذا مزيجا من الرجولة والأنوثة جامعا بين الحب والحرب. من ذلك أن سجيبرت أرسل هدايا غالية إلى أثاناجلد Athanagild ملك أسبانيا برنهلدا Brunhilda، ووافق أثاناجلد على هذا الزواج لخوفه من الفرنجة
صفحة رقم : 4306

(13/217)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

وإن أرسلوا الهدايا؛ وأقبلت برنهلدا لتزدان بها أبهاء متز وريمز (566). ودب الحسد في قلب كلبريك، لأنه لم يكن له إلا زوجة ساذجة تدعى أودوفيرا Audovera وعشيقة فظة تدعى فردجندا Fredegunda، فطلب إلى أثاناجلد أن يزوجه أخت برنهلدا؛ وجاءت جلزونثا Galswintha إلى سوسوان وأحبها كلبريك لأنها جاءت معها بكنوز عظيمة، ولكنها كانت أكبر سنا من أختها؛ فعاد كلبريك إلى أحضان فردجندا . وطلبت جلزونثا أن تعود إلى أسبانيا، فأمر كلبريك بقتلها خنقا (567)، وأعلن سجيبرت الحرب على كلبريك وهزمه، ولكن فردجندا بعثت إليه بعبدين قتلا سجيبرت، وقبض على برنهلدا ولكنها استطاعت الفرار وتوجت ابنها الشاب كلدبرت الثاني، وحكمت البلاد باسمه حكما أظهرت فيه كثيرا من الحزم والكفاية .
ويصف المؤرخون كلبريك كأنه نيرون ذلك الوقت وهيروده، يصفونه بأنه غليظ القلب، سفاك للدماء، شهواني نهم شره، في جمع الذهب. ويفسر جريجوري التوري، وهو عمدتنا الوحيد في هذه المعلومات، تلك الصفات إلى حد ما بأن يصوره كأنه فردريك الثاني في عصره، فيقول إن كلبريك كان يسخر من فكرة وجود ثلاثة أشخاص في إله واحد، وبتصوير الله كأنه إنسان، وكان يعقد مع اليهود مناقشات مزرية، ويحتج على ثروة الكنيسة الطائلة، وعلى نشاط الأساقفة السياسي، وألغى الوصايا التي يترك بها الناس ما لهم للكنائس، وكان يبيع كراسي الأساقفة لمن يؤدي أكثر الأثمان، وحاول أن يخلع جريجوري نفسه من كرسي تور(51). ويصف الشاعر فرتناتوس هذا الملك نفسه بأنه جماع الفضائل، فهو حاكم عادل لطيف، شيشرون زمانه في الفصاحة؛ ولكن يجب ألا ننسى أن كلبريك قد أجاز فرتناتوس على شعره.

(13/218)


--------------------------------------------------------------------------------

ومات كلبريك بطعنة خنجر في عام 584، وربما كان طاعنه مسلطا عليه من برنهلدا، وترك وراءه ولدا رضيعا هو كلوتار الثاني فحكمت فردجندا نستريا
صفحة رقم : 4307
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

بالنيابة عنه، بمهارة، وغدر، وقسوة لا تقل عن مثيلاتها في أي رجل من رجال ذلك الوقت. من ذلك أنها جاءت بشاب من رجال الدين ليقتل برنهلدا، ولما عاد دون أن يؤدي مهمته أمرت بقطع يديه وقدميه. لكن مرجعنا في هذه الأخبار هو أيضا جريجوري(53). وكان أعيان أستراسيا في هذا الوقت لا ينقطعون عن الثورة على برنهلدا المتغطرسة، يشجعهم على هذا كلوتار الثاني؛ وكانت تخمد هذه الثورات بقدر ما تستطيع وتستعين على ذلك بالختل والاغتيال؛ ولكنهم أفلحوا آخر الأمر في خلعها وهي في الثمانين من عمرها، وظلوا يعذبونها ثلاثة أيام كاملة، ثم ربطوها من شعرها وإحدى يديها في ذيل حصان وضربوه بالسياط (614). وورث كلوتار الثاني الممالك الثلاث وتوحدت مرة أخرى دولة الفرنجة.

(13/219)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد يحملنا هذا السجل الملطخ بالدماء على أن نبالغ في الهمجية التي كانت تخيم على غالة ولما يكد يمضي على موت سيدونيوس المتحضر المثقف قرن من الزمان، ولكن الناس لا بد لهم أن يجدوا وسيلة يستخدمونه إذا أعوزتهم الانتخابات. ولقد أفسد خلفاء كلوفيس ما بذله من جهود لتوحيد البلاد كما فعل خلفاء شارلمان بملكه بعده. على أن أقل مل يقال في هذا الثناء على هذا العهد أن الحكومة قد ظلت تؤدي واجباتها، وأن غالة لم تكن كلها تطيق وحشية ملوكها وتعد زوجاتهم، وأن ما يبدو من استبداد الملوك كان محددا بقوة النبلاء الذين يحسدونهم على سلطتهم، وكان الملك يكافئهم على ما يؤدون له من خدمات في الإدارة والحرب بأن يهبهم ضياعا يكادون يكونون فيها سادة مستقلين؛ وفي هذه الأملاك الواسعة بدأ الإقطاع الذي حارب الملكية الفرنسية ألف عام. وكثر أرقاء الأرض، وبدأ الاسترقاق يحيا مرة أخرى بسبب الحروب الجديدة، وانتقلت الصناعات من المدن إلى بيوت الريف، فضاقت رقعة المدن، وخضعت لسيطرة السادة الإقطاعيين؛ وكانت التجارة لا تزال
صفحة رقم : 4308
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

نشيطة، ولكنها كان يقف في سبيلها عدم ثبات النقد، وكثرة اللصوص وقطاع الطرق، وارتفاع الضرائب الإقطاعية. وكان القحط والوباء يحاربان بنجاح غريزة التكاثر الآدمية.

(13/220)


--------------------------------------------------------------------------------

وتزوج زعماء الفرنجة بمن بقي من نساء طبقة أعضاء الشيوخ الغاليين-الرومان، ونشأ من هذا التزاوج أشراف فرنسا. وكانوا في ذلك الوقت أشرافا يتصفون بالقوة، يحبون الحرب، ويحتقرون الآداب، ويتباهون بلحاهم الطويلة، وأثوابهم الحريرية، وكثرة من يتزوجون من النساء. ولسنا نجد في تاريخ طبقة عليا لا تعبأ بالمبادئ الأخلاقية كما لم تعبأ بها هذه الطبقة؛ ولم يكن لاعتناقها المسيحية أثر فيها على الإطلاق، فقد بدت المسيحية لهم كأنها مجرد وسيلة كثيرة النفقة للحكم وتهدئة الشعب؛ ولما "انتصرت البربرية وانتصر الدين" كانت البربرية صاحبة الكلمة العليا مدى خمسة قرون. وكان الاغتيال، وقتل الآباء، والاخوة، والتعذيب، وبتر الأعضاء، والغدر، والزنى، ومضاجعة المحارم؛ كان هذا كله هو الوسيلة التي يخففون بها ملل الحكم. فقد قيل إن كلبريك أمر بأن يكون كل مفصل من مفاصل سجيلا Sigila القوطي بالحديد المحمى، وأن ينزع كل عضو من أعضائه من موضعه(54)، وكان لكاريبرت Charipert عشيقتان أختان وإحداهما راهبة، وجمع دجوبرت Dagobert (628-639) بين ثلاث زوجات في وقت واحد. وربما كان الإفراط الجنسي هو السبب فيما أصاب المروفنجيين من عقم منقطع النظير: ومن أمثلة هذا العقم أن واحدا لا أكثر من أبناء كلوفيس الأربعة وهو كلوتار كان له أبناء، وأن واحدا من أبناء كلوتار الأربعة كان له طفل. وكان الملوك يتزوجون في الخامسة عشرة من عمرهم ويفقدون متى بلغوا سن الثلاثين، ومات كثيرون منهم قبل الثامنة والعشرين(55). ولم يحل عام 614 حتى كان بيت المروفنجيين قد استنفد جميع حيويته وتأهب لأن يخلي مكانه لغيره.
صفحة رقم : 4309
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

(13/221)


--------------------------------------------------------------------------------

في غمار هذه الفوضى لم يكد يكون للتعليم وجود، فلم يحل عام 600 حتى كانت معرفة القراءة والكتابة ترفا لا يتمتع به إلا رجال الدين، أما العلوم الطبيعية فقد انمحت أو كادت. وبقى الطب، لأنا نسمع عن وجود أطباء في حاشية الملوك، أما بين الشعب فقد كان السحر والصلاة في نظرهم خيرا من الدواء. وقد ندد جريجوري أسقف تور (538؟-594) بمن يستخدمون الأدوية بدل الصلوات في علاج المرضى، وقال: إن هذا إثم يعذبهم عليه الله. ولما مرض هو أرسل يدعو إليه طبيبا، ولكنه سرعان ما صرفه لأنه لم ينفعه بشيء، ثم شرب قدحا من الماء ممزوجا بتراب جئ به من قبر القديس مارتن شفي على أثره شفاء تاما(56). وكان جريجوري هذا أشهر كتاب النثر في أيامه، وكان يعرف كثيرين من الملوك المروفنجيين معرفة شخصية، وكثيرا ما كانوا يستخدمونه في بعثات لهم. وقد روى في كتابه تاريخ الفرنجة قصة العصر المروفنجي المتأخر بطريقة فجة، مضطربة قائمة على الهوى والخرافة، ولكنه روى هذه القصة بأسلوب واضح، وكانت حوادثها مما شاهده بنفسه، ولغته اللاتينية فاسدة، قوية، خالية من الالتواء. وهو يعتذر عن أغلاطه النحوية، ويرجو ألا يعاقبه الله في يوم الحساب على ما ارتكبه من إثم بسبب هذه الأخطاء(57). وهو يؤمن بالمعجزات وخوارق العادات، ويتصورها تصور الطفل الذي لا يخالجه فيها أدنى ريب أو يؤمن بها إيمان الأسقف الحصيف الماكر اللطيف ويقول: "وسنمزج في قصتنا معجزات القديسين بمذابح الأمم"(58). ثم يمضي فيؤكد أن الأفاعي سقطت من السماء في عام 587، وأن قرية قد اختفت فجأة بجميع مبانيها وسكانها(59). وهو يشهر بكل شيء في أي إنسان لا يؤمن بالله أو يعمل ما يضر بالكنيسة، ولكنه يقبل ما يرتكبه أبناء الكنيسة المؤمنون من أعمال وحشية، وغدر، وخيانة، وفساد خلقي، ولا يجد في هذا ما تشمئز منه
صفحة رقم : 4310

(13/222)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> بداية تاريخ فرنسا -> المروفنجيون

نفسه. وهو صريح في تحيزه وعدم نزاهته، ومن اليسير علينا أن نتغاضى عن بعض عيوبه، والصورة الأخيرة التي لا تنطبع في ذهننا عنه هي أنه رجل ساذج محبوب.
وأصبحت آداب غالة بعده تغلب عليها الصبغة الدينية في موضوعاتها، والصبغة البربرية في لغتها وأسلوبها إلا في حالة واحدة دون غيرها، تلك هي كتابات فنانتيوس فرتناتوس Vanantius Fortunatus (حوالي 530-610) البليغة. وقد ولد هذا الكاتب في إيطاليا، وتعلم في رافنا، ثم أنتقل إلى غالة في الثلاثين من عمره، وكتب يمدح أساقفتها وملكاتها، وأحب ردجندا زوجة كلوتار الأول حبا عذريا أفلاطونيا. ولما أنشأت هي ديرا صار فرتناتوس قسيسا، ودخل في خدمتها، وما زال يرقى في الدرجات الكهنوتية حتى أصبح أسقف بواتييه؛ وكتب قصائد جميلة يمدح بها الأحبار، والقديسين، منها تسع وعشرون قصيدة في مدح جريجوري التوري وحده؛ ثم كتب ترجمة شعرية للقديس مارتن. وكان أحسن مل كتبه بعض ترانيم حلوة النغم منها واحدة تدعى Pange Lingue أوحت إلى تومس أكوناس بقصيدة تشبهها في موضوعها وتعلو عليها في أسلوبها؛ ومنها قصيدة أخرى تدعى Vexilla Regis أصبحت هي الجزء الأخير من القداس الكاثوليكي. وقد نزع في مزج الإحساس القوي بالسعر البليغ، وإذا ما قرأنا أبياته الدائمة الجدة، اللطيفة الأسلوب، تبينا ما كان ينطوي عليه قلبه من رحمة، وإخلاص، وعواطف رقيقة وسط ما كان يتصف به عصر المروفنجيين من وحشية وجرائم يرتكبها الملوك.

صفحة رقم : 4311
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين

الفصل الرابع
أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين
456-711

(13/223)
--------------------------------------------------------------------------------

سبق القول أن القوط الغربيين حكام غالة استردوا أسبانيا من الوندال في عام 420، وعادوا بعدئذ إلى روما، ولكن روما كانت عاجزة عن حماية أسبانيا، ولهذا فإن السويفي Suevi خرجوا من معاقلهم في التلال الواقعة في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة واجتاحوها كلها، فانقض عليها القوط الغربيون مرة أخرى بقيادة ثيودريك الثاني (456) وأوريك (466) بعد أن عبروا جبال البرانس، وفتحوا معظم أسبانيا واحتفظوا بالبلاد في هذه المرة وضموها إلى أملاكهم، وحكمت أسبانيا من ذلك الوقت أسرة من القوط الغربيين وظلت على عرشها حتى جاءها المسلمون.
وأنشأت الملكية الجديدة، في بلدة طليطلة عاصمة فخمة، وجمعت فيها حاشية موفورة الثراء. وكان أثاناجلد Athanagild (563-567) وليوفيجلد Leovigild (568-586) ملكين قويين، هزما الغزاة الفرنجة في الشمال وجيوش بيزنطية في الجنوب؛ وكانت ثروة أثاناجلد هي التي أكسبت ابنتيه ميزة فذة هي انهم قتلتا وهما ملكتان لملكين من الفرنجة. وحدث في عام 589 أن غير ريكارد Recared مذهبه ومذهب الكثرة الغالبة من القوط الغربيين في أسبانيا من الأريوسية إلى المسيحية الأصلية. ولعل سبب هذا التغير أنه قرأ من قبل تاريخ ألريك الثاني. ومن ذلك أصبح الأساقفة أكبر المؤيدين للملكية وأقوى سلطة في الدولة؛ فقد سيطروا بفضل تفوقهم في العلم ودقة النظام على
صفحة رقم : 4312
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين

(13/224)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:09 am

--------------------------------------------------------------------------------

الأشراف الذين كانوا يجتمعون معهم في مجالس الحكم في طليطلة؛ ومع أن سلطة الملك كانت سلطة مطلقة من الوجهة النظرية، ومع أنه كان هو الذي يختار الأساقفة، فإن هذه المجالس كانت هي التي تختاره، وتأخذ عليه قبل أن يباشر الحكم المواثيق بشأن السياسة التي تريد منه أن يتبعها، ووضعت بإرشاد رجال الدين طائفة من القوانين (634)، كانت أوفى جميع شرائع البرابرة وأقلها تسامحا. وقد أصلحت من شأن الإجراءات القضائية بأن عمدت إلى تقدير شهادة الشهود في تقدير أخلاق المتهمين بدل شهادات الأصدقاء، وطبقت قوانين واحدة على الرومان والقوط الغربيين، فوضعت بذلك مبدأ المساواة أمام القانون(60). ولكنها لم تأخذ بمبدأ حرية العبادة، وحتمت على جميع السكان أن يعتنقوا المسيحية الصحيحة، وأقرت اضطهاد يهود أسبانيا الذي دام طويلا، وارتكبت فيه أشد ضروب القسوة.
ونسي القوط الغربيون قبل أن ينقضي على فتحهم أسبانيا لغتهم الألمانية بتأثير نفوذ الكنيسة التي ظلت تستخدم اللغة اللاتينية في مواعظها وطقوسها الدينية، وأفسدوا اللاتينية المستعملة في شبه الجزيرة بأن أدخلوا عليها قوة الرجولة والجمال النسوي اللذين تمتاز بهما اللغة الأسبانية الحاضرة، وكانت المدارس الملحقة بالأديرة والأسقفيات هي التي تقوم بالتعليم، وكان معظمه تعليما كنسيا، ولكنه كان يشمل شيئا من دراسة الكتب القديمة، وأنشئت مجامع علمية في بقلارا Vaclara وطليطلة، وسرقسطة، وأشبيلية، وكان الشعر يلقى تشجيعا كبيرا، وأما التمثيل فكان يقاوم لما فيه من فحش وبذاء.
ولم يحفظ التاريخ من أسماء الأدباء في أسبانيا القوطية إلا اسم إزدور Isidorc الأشبيلي (حوالي 560-636). وتروي إحدى الأقاصيص الطريقة كيف هرب غلام أسباني من بيته غضبا من تأنيبه من أجل كسله، وأخذ يطوف بالبلاد حتى أنهكه التعب، فجلس إلى جانب بئر، فاستلفت نظره شق عميق في
صفحة رقم : 4313

(13/225)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين

حجر مجاور لحافة البئر. ومرت به في ذلك الوقت فتاة فقالت له إن هذا الشق من أثر احتكاك الحبل الذي ينزل الدلو في البئر ويرفعها، فلما سمعها إزدور قال في نفسه: "إذ كان في استطاعة هذا الحبل اللين بدأ به على العمل في كل يوم أن يشق الحجر، فما من شك أن المثابرة يمكن أن تغلب على بلادة عقلي". ثم عاد من فوره إلى بيت أبيه وواصل الدرس حتى أصبح أسقف أشبيلية المتبحر في العلم(61). ولسنا نعلم إلا القليل عن حياته، وكل ما نستطيع أن نقوله إنه وجد بين مشاغله الدينية الكثيرة، التي كان يقوم بها بما يرضي ضميره، متسعا من الوقت يكتب فيه ستة كتب. ولعله أراد أن يعين ذاكرته فجمع في خلال عدد كبير من السنين فقرات مختلفة في جميع الموضوعات نقلها من كتب المؤلفين الوثنيين والمسيحيين واستحثه صديقه بروليو Broulio أسقف سرقسطة على أن ينشر هذه المختارات، فأجابه إلى طلبه، وحورها حتى أصبحت من أقوى كتب العصور الوسطى أثرا وسماها "عشرون كتابا في الاشتقاقات والأصول" وضمها الآن مجلد ضخم يحتوي على 900 صفحة من القطع الكبير. وهو موسوعة علمية ولكنها غير مرتبة على الحروف الهجائية؛ وتبحث على التوالي في المجموعة الثلاثية من العلوم القديمة وهي النحو، والبلاغة، والمنطق؛ ثم في الحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك وهي المجموعة الرباعية عند الأقدمين؛ ثم تبحث في الطب؛ والقانون؛ والتواريخ، والدين، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وعلم الحيوان، وعلم الكون، والجغرافية الطبيعية، والهندسة المعمارية، والمساحة، والتعدين، والزراعة والحرب، والألعاب الرياضية، والسفن، والملابس، والأثاث، والأدوات المنزلية،...وكلما انتقل المؤلف إلى موضوع من هذه الموضوعات عرف مصطلحاته الأساسية، وبحث عن منشأها. مثال ذلك أنه يقول إن الإنسان يسمى باللاتينية

(13/226)


--------------------------------------------------------------------------------

(هومو Homo) لأن الله قد خلقه من التراب (هومس Humus)، والركبتان تسميان Genus، لأنهما يكونان مقابل الخدين Genae) في الجنين(62). وكان إزدور
صفحة رقم : 4314
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين

عالما مجدا وإن لم يعن بالتفرقة بين موضوعات درسه؛ وكان واسع الإطلاع على اللغة اليونانية، يعرف الكثير من كتابات لكريتيوس Lukretius (وهو الذي لا يذكر في العصور الوسطى)، وقد حفظ لنا قطعا مختارة من فقرات كثيرة من الآداب الوثنية لولاه لضاعت عن آخرها. وبحوثه خليط من الاشتقاق الغريب، والمعجزات التي لا يقبلها عقل، ومن تفسيرات مجازية خيالية للكتاب المقدس؛ ومن العلوم الطبيعية والتاريخ حورت لكي تثبت مبادئ أخلاقية، وأخطاء في الحقائق يكفي القليل من الملاحظة لتصحيحها. وكتابه هذا أثر خالد يدل على ما كان فاشيا في هذا العهد من جهالة.
ولا يكاد يبقى شيء من الفنون التي كانت في أسبانيا في عهد القوط الغربيين رياوح أن طليطلة، وإيطاليا وقرطبة، وغرناطة، ومديرا وغيرها من المدن كانت تحتوي على كنائس، وقصور، ومبان عامة جميلة المنظر، أقيمت على الطراز القديمة، ولكنها ميزت عنها بالرموز المسيحية، والنقوش البيزنطية(63). ويقول المؤرخون المسلمون إن العرب الفاتحين وجدوا في طليطلة وكنيستها الكبيرة خمسة وعشرين تاجا من الذهب المرصع بالجواهر، وكتابا مزخرفا للتراتيل مكتوبا على ورقة من الذهب بمداد مصنوع من الياقوت المصهور، وأقمشة منسوجة بخيوط من الذهب والفضة، ودروعا، وسيوفا، وخناجر مرصعة من الجواهر، مزهريات مملوءة بها، ومنضدة من الزمرد مطعمة بالفضة والذهب- وكانت هذه المنضدة إحدى الهدايا الكثيرة الغالية التي أهداها أغنياء الغربيين إلى كنيستهم التي تحميهم وترد الأذى عنهم.

(13/227)


--------------------------------------------------------------------------------

وظل استغلال الأقوياء والمهرة البائسين والسذج يجري مجراه في عهد القوط الغربيين كما كان يجري في عهد سائر الحكومات القديمة. فكان الأمراء والأحبار يجتمعون في حفلات دينية أو دنيوية فخمة، ويضعون قواعد للتحليل والتحريم، ويدبرون وسائل للإرهاب والرعب ليتغلبوا بذلك كله على مشاعر
صفحة رقم : 4315
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> أسبانيا تحت حكم القوط الغربيين

الجماهير ويهدئوا أفكارهم. وتركزت الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد، وكانت الثغرة الواسعة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء، والمسيحيين عن اليهود تقسم الأمة ثلاث دول مختلفة؛ فلما أن جاء العرب لم يبال الفقراء واليهود بسقوط دولة ملكية وكنيسة لم تظهر شيئا من الاهتمام بفقرهم وسامتهم كثيرا من أنواع الاضطهاد الديني.
ولما مات وتيزا Witiza ملك أسبانيا الضعيف في عام 708 لم يقبل الأشراف أن يخلفه على العرش أحد من أبنائه، بل أجلسوا عليه ردريك (لزريق) Roderick، ففر أبناء وتيزا إلى أفريقية، واستغاثوا بزعماء المسلمين. وقام المسلمون ببضع غارات تمهيدية على السواحل الأسبانية، عرفوا بها أن أسبانيا منقسمة على نفسها، وأنها تكاد تكون مجردة من وسائل الدفاع، فجاءوا إليها في عام 711 بقوة أكبر من قوتهم السابقة. والتقت جيوش طارق ولزريق في معركة على سواحل بحيرة يندا Janda في ولاية قادس، انضمت فيها قوة من القوط إلى العرب؛ واختفى لزريق من المعركة. وتقدم المسلمون المنتصرون إلى أشبيلية، وقرطبة، وطليطلة؛ وفتحت كثير من المدائن الأسبانية أبوابها للغزاة. وأقام قائد العرب موسى ابن نصير في العاصمة الأسبانية (713)، وأعلن أن أسبانيا أصبحت من ذلك الوقت ملكا للمسلمين وللخليفة الأموي في دمشق.

صفحة رقم : 4316

(13/228)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك

الفصل الخامس
إيطاليا تحت حكم القوط الشرقيين
493-536
1- ثيودريك
لما تصدعت أركان مملكة أتلا بعد وفاته في عام 453 استعاد القوط الشرقيون استقلالهم، وكان قد أخضعهم من قبل لحكمه. وكان البيزنطيون يرشونهم ليصدوا غيرهم من البرابرة الألمان نحو الغرب، وكافئوهم على عملهم هذا بأن أقطعوهم ولاية بنونيا، وأخذوا ثيودريك ابن ملكهم ثيودمير -ولم يكن قد تجاوز السابعة من عمره- رهينة في أيديهم إلى القسطنطينية ليضمنوا بذلك ولاء القوط الشرقيين لهم. وقضى ثيودريك في بلاط إمبراطور القسطنطينية أحد عشر عاما اكتسب فيها فطنة وذكاء، وإن لم يتلق فيها تعليما؛ وحذق فنون الحرب والحكم، ولكن يبدو أنه لم يتعلم قط الكتابة(64)؛ وأعجب به الإمبراطور ليو الأول، فلما مات ثيودمير (473) اعترف ليو بثيودريك ملكا على القوط الشرقيين.
وخشي زينون الذي خلف ليو على عرش الإمبراطورية الشرقية أن يسبب ثيودريك المتاعب البيزنطية، فأشار عليه أن يفتح إيطاليا. وكان أدكور قد اعترف اسميا بخضوعه للإمبراطور الشرقي ولكنه كان يتجاهله فعلا، وكان زينون يأمل أن يعيد ثيودريك إيطاليا إلى حكم بيزنطية؛ وسواء تم هذا أو لم يتم فإن زعيمي القبائل الألمانية الخطرة سيسلى أحدهما الآخر ويتركان زينون يدرس الدين على مهل. وأعجب ثيودريك بهذه الفكرة- ويقول بعضهم إنه هو صاحبها. وقاد ثيودريك القوط الشرقيين بوصفه وزير زينون، وكان تحت لوائه عشرون ألف محارب،
صفحة رقم : 4317
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك

(13/229)


--------------------------------------------------------------------------------

وعبر بهم جبال الألب (488). وعاون أساقفة إيطاليا القائد الأريوسي وإن كانوا هم من أتباع الدين الصحيح لأنهم كانوا يكرهون أريوسية أدوكر، ولأن ثيودريك في رأيهم يمثل إمبراطورا يكاد يكون من أتباع الدين القويم. وبفضل هذه المساعدة استطاع ثيودريك أن يحطم مقاومة أدوكر الشديدة بعد حرب طاحنة دامت خمس سنين، وأقنعه على أن يعقد معه صلحا ينزل فيها كلاهما عن مطالبه. ثم دعا أدوكر وابنه إلى الطعام معه في رافنا، وبعد أن أكرم وفادتهما قتلهما بيده (493). وبهذا الغدر بدأ عهد أكثر العهود استنارة في التاريخ.
وكانت بضع حملات عسكرية كافية لأن تخضع لحكم ثيودريك غربي البلقان، وجنوبي إيطاليا، وصقلية. وظل ثيودريك خاضعا خضوعا اسميا إلى بيزنطية، وضرب النقود باسم الإمبراطور، وكان يكتب الرسائل إلى مجلس الشيوخ، الذي ظل يعقد جلساته في روما، بما يليق به من التوقير واتخذ لنفسه لقب ركس Rex أي الملك. وكان هذا اللفظ في الزمن القديم من أبغض الألفاظ إلى الرومان، ولكنه كان وقتئذ لقبا عاما لحكام الأقاليم التي تعترف بسيادة بيزنطية عليها. وقبل قوانين الإمبراطورية الغربية التي زالت من الوجود ونظمها، وحرص أشد الحرص على الدفاع عن آثارها وأشكالها، ووهب كل ما أوتي من جد ونشاط لإعادة الحكم المنظم إلى البلاد والرخاء الاقتصادي إلى الشعب الذي أخضعه لحكمه. وقصر عمل القوط الذين جاءوا معه على وظائف الشرطة والخدمة العسكرية، وسكن تذمرهم بما كان يؤديه لهم من الأجور العالية. أما مناصب الإدارة والقضاء فقد ظلت في أيدي الرومان، وترك ثلثي إيطاليا الزراعية للرومان أنفسهم ووزع الثلث الباقي على القوط، ومع هذا فقد بقيت بعض الأراضي الصالحة للزراعة في إيطاليا من غير أن تفلح. وافتدى ثيودريك الرومان الذين وقعوا في أسر الأمم الأخرى، وأسكنهم إيطاليا، وأقطعهم فيها أرضا يزرعونها؛
صفحة رقم : 4318

(13/230)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:47 am

--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك

وجفف المستنقعات البنتية، وأعادها أرضا صالحة للزراعة غير مضرة بالصحة. وكان ثيودريك يؤمن بضرورة تنظيم الحالة الاقتصادية وإخضاعها لسيطرة الحكومة، فأصدر "مرسوما خاصا بالأثمان، التي يجب أن تكون في رافنا". ولسنا نعرف كيف كانت هذه الأثمان. وكل ما يقال لنا هو أن نفقات الطعام في حكم ثيودريك كانت أقل مما كانت عليه قبل بمقدار ثلثها. وأنقص عدد موظفي الحكومة ومرتباتهم، ومنع الإعانات التي كانت تعطى للكنيسة، وخفض الضرائب. ومع هذا فقد كانت إيرادات الدولة لا تكفي لإصلاح كثير من الضرر الذي ألحقه الغزاة بروما وإيطاليا، لإقامة قصر متواضع في رافنا وكنيستي سنتا أبليناري Sant' Appollinare وسان فيتال San Vitale. وفي أيامه استعادت فيرونا، وبافيا، ونابلي، وأسبوليتو Spoleto وغيرها من مدن إيطاليا ما كان بها في أيام عزها من مبان فخمة. وبسط ثيودريك حمايته على الكنائس التابعة للمذهب الأصيل من حيث أملاكها وحرية العبادة فيها وإن كان هو من أتباع المذهب الأريوسي؛ وصاغ وزيره كسيودوروس Cassiodorus الكاثوليكي المذهب سياسة الحرية الدينية في تلك العبارة الخالدة! "ليس في مقدورنا أن نسيطر على الدين، لأنا لا نستطيع أن نرغم أحدا على أن يؤمن بما لا يريد أن يؤمن به" . وكتب مؤرخ بيزنطي يدعى بروكبيوس Procopius من مؤرخي الجيل التالي يثني على الملك "البربري" ثناء ليس فيه شيء من المحاباة فقال:
لقد كان ثيودور شديد الحرص على مراعاة العدالة... وبلغ أعلى درجات الحكمة والرجولة.... ومع أنه كان من الناحية الاسمية مغتصبا للملك، فقد كان في الواقع الأمر إمبراطور بحق، لا يقل في ذلك عن أي إمبراطور ممن ميزوا أنفسهم في هذا المنصب الخطير منذ بداية التاريخ. وكان القوط والرومان جميعا
صفحة رقم : 4319

(13/231)
--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> ثيودريك

يحبونه أعظم الحب... ولم يكن كل ما تركه قبل وفاته هو الرعب الذي قذفه في قلوب أعدائه، بل أنه ترك فوق ذلك في قلوب رعاياه شعورا قويا بالخسارة والحرمان(67).

صفحة رقم : 4320
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

2- بؤيثيوس

(13/232)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي هذه البيئة التي عمها السلم والأمن بلغ الأدب اللاتيني آخر مرحلة من مراحل الرقي والازدهار. ومن أشهر أدباء ذلك العصر فلافيوس ماجنوس أورليس كسيودورس Flavius Magnus Aurelis Cassiodorus (480-573) الذي كان أمين سر أدوكر وثيودريك. وقد ألف، بناء على إشارة ثيودريك، تاريخ القوط(68) وكان يهدف إلى أن يظهر للرومان المتشامخين أن للقوط أيضا أنباء نبلاء وأعمالا مجيدة. ولعل أكثر من هذا موضوعية تاريخه الإخباري الذي أرخ فيه العالم كله من آدم إلى ثيودريك، ونشر في أواخر حياته السياسية مجموعة من رسائله وأوراقه المتعلقة بشؤون الدولة بعضها سخيف بعض السخف، وبعضها كثير المبالغة والتباهي، وبعضها يكشف عن مستوى أخلاقي رفيع ومقدرة إدارية عظيمة كان يتصف بهما الوزير ومليكه. ولما شهد في عام 450 اضمحلال الحكومة التي خدعها ثم سقوطها اعتزل منصبه وآوى إلى ضيعته في اسكويلاس Squillace بكلبيريا Calabria، وأنشأ هناك ديرين، وعاش فيها عيشة وسطا بين عيشة الرهبان والعظماء حتى وافته المنية في سن الثالثة والتسعين. وقد علم زملاءه الرهبان أن ينسخوا المخطوطات، الوثنية منها والمسيحية، وأعد لهذا العمل حجرة خاصة. وحذت بعض المعاهد الدينية الأخرى حذوه، ولهذا فإن كثيرا مما لدينا من الكنوز الحديثة المنقولة عن الأدب القديم هو ثمرة من ثمار أعمال النسخ التي تمت في الأديرة، والتي بدأها كسيودورس وزملاءه الرهبان. وألف أواخر سني حياته كتابا مدرسيا سماه: منهجا في
صفحة رقم : 4321
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

(13/233)


--------------------------------------------------------------------------------

الدين والدراسات غير الدينية دافع فيه دفاعا جريئا عن قراءة الآداب الوثنية. واتبع فيه منهج الدراسة المدرسي الذي وضعه مريانوس كابلا Marianus Capella والذي قسم فيه العلوم إلى مجموعتين: المجموعة الثلاثية والمجموعة الرباعية، وهو التقسيم الذي ظل متبعا في التعليم طوال العصور الوسطى.
وكانت حياة أنيسيوس مانليوس سفرينوس بؤيثيوس Anicius Manlius Severinus Boethius (475؟-534) شبيهة بحياة كسيودورس في كل شيء إلا في قصر مدتها. فكلاهما من أبناء الأسرة الرومانية الغنية، وكلاهما كان وزيرا لثيودريك، وكلاهما بذل جهدا كبيرا لسد الثغرة التي تفصل الوثنية عن المسيحية، وكتب كتبا مملة ظلت ألف عام تقرأ وتعد من الذخائر القيمة. وكان والد بؤيثيوس قنصلا في عام 483، وكان والد زوجته سيماخوس الأصغر من نسل سيماخوس الذي دافع عن مذبح الحرية. وتعلم أحسن تعليم تستطيع روما أن تقدمه لأبنائها، ثم قضى بعدئذ ثمانية عشر عاما في مدارس أثينة عاد بعدها إلى قصوره الريفية في إيطاليا، وانهمك في الدرس، واعتزم أن ينقذ عناصر الثقافة اليونانية واللاتينية القديمة التي رآها آخذة في الزوال، فوهب وقته كله -وهو أكبر ما يعتز به العالم المجد- في تلخيص كتب إقليدس في الهندسة النظرية ونقوماخوس في الحساب، وأرخميديز في علم الحيل (الميكانيكا) وبطليموس في الفلك... وكانت ترجمته لرسالة أرسطو في المنطق (Organon) وكتاب برفيري Porhyry المعروف باسم مقدمة لمقولات أرسطو هي التي استمد منها علم المنطق في السبعة القرون التالية أهم نصوصه وأفكاره، وهي التي مهدت السبيل للجدل الطويل بين الواقعية والاعتبارية. وحاول بؤيثيوس أن يكتب أيضا في اللاهوت: فألف رسالة في التثليث دافع فيها عن النظرية المسيحية السائدة، ووضع المبدأ القائل إنه إذا اختلف الدين والعقل وجب إتباع الدين. وليس في
صفحة رقم : 4322

(13/234)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

هذه المؤلفات كلها ما هو خليق في هذه الأيام، ولكننا مهما أطنبنا في وصف آثارها في التفكير في العصور الوسطى فإنا لا يمكن أن نتهم بالمبالغة في هذا الوصف.
وأوحت إليه تقاليد أسرته أن يتنحى عن هذه الأعمال المغلقة على الإفهام، وأن ينزل إلى قسم الحياة السياسية. وارتقى في هذه الحياة رقيا سريعا، فكان قنصلا، ثم وزيرا، ثم سيد المناصب -أي رئيس وزراء (522). وامتاز في هذه المناصب كلها بحبه للإنسان وبفصاحته، وكان الناس يشبهونه بدمستين وشيشرون. لكن العظمة تخلق للعظيم أعداء، فقد ساء الموظفين القوط في بلاط الملك ما رأوه من عطفه على السكان الرومان والكاثوليك، وأثاروا شكوك الملوك فيه؛ وكان ثيودريك وقتئذ في التاسعة والستين من عمره، ضعيف الجسم والعقل لا يدري كيف ينقل إلى خليفته حكما مستقرا تتولاه أسرة قوطية أريوسية على امة تسعة أعشارها من الرومان، وثمانية أعشارها كاثوليك. وكان لديه من الأسباب ما يحمله على الاعتقاد بأن الكنيسة والأشراف يناصبانه العداء، وأنهما يترقبان موته بفارغ الصبر. وكان مما قوى هذه الشكوك أن جستنيان نائب الإمبراطور في بيزنطية أصدر مرسوما يقضي بنفي جميع المانيين من الإمبراطورية، وتحريم جميع المناصب المدنية والعسكرية على جميع الوثنين والمارقين- بما فيهم جميع الأريوسيين ما عدا القوط. وظن ثيودريك أن هذا الاستثناء لا يقصد به إلا إضعاف حجته، وإن جستنيان فيه عند أول فرصة، ورأى أن هذا المرسوم جزاء غير عادل للحريات التي منحها أتباع العقيدة الكنسية الأصلية في الغرب. ألم يرفع إلى أعلى مناصب الدولة بؤيثيوس الذي كتب رسالة عن التثليث يعارض فيها العقيدة الأريوسية؟ وفي تلك السنة نفسها سنة 523 أهدى إلى كنيسة القديس بطرس ماثلتين فخمتين من الفضة المصمتة دليلا على

(13/235)


--------------------------------------------------------------------------------

مجاملته للبابا. لكنه مع هذا أغضب طائفة كبيرة من
صفحة رقم : 4323
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

السكان بحمايته لليهود، ذلك أنه حين دمر الغوغاء معابدهم في ميلان، وجنوى، وروما أعاد بناءها من الأموال العامة.
وفي هذه الظروف ترامى إلى ثيودريك أن مجلس الشيوخ يأتمر به ليخلعه. وقيل لم إن زعيم المؤامرة هو ألبينوس رئيس مجلس الشيوخ وصديقه بؤيثيوس. فما كان من العالم الكريم إلا أن أسرع إلى ثيودريك وأكد له براءة ألبينوس وقال له: "إذا كان ألبينوس مذنبا فإني أنا ومجلس الشيوخ كله لا تقل عنه جرما". وقام ثلاثة رجال ذوي سمعة سيئة يتهمون بؤيثيوس بالاشتراك في المؤامرة، وقدموا وثيقة عليها توقيع بؤيثيوس، موجهة إلى إمبراطور بيزنطية تدعوه إلى فتح إيطاليا. وأنكر بؤيثيوس هذه التهم كلها، وقال إن الوثيقة مزورة، لكنه اعترف فيما بعد بأنه: "لو كان هناك أمل في أن يوصلنا ذلك إلى الحرية لما ترددت فيه، ولو أنني عرفت أن هناك مؤامرة على الملك... لما عرفتم نبأها مني"(70). فلما قال هذا قبض عليه (523):
وسعى ثيودريك لأن يتفاهم مع الإمبراطور، وكتب إلى جستين رسالة خليقة بالملك الفيلسوف قال فيها:
إن من يدعي لنفسه حق السيطرة على الضمائر يغتصب حق الله وحده على عباده، أما سلطان الملوك فهو بطبيعة الأشياء مقصور على الحكومة السياسية، وليس من حقهم أن يعاقبوا إنسانا إلا إذا عكر صفو السلم العام. وليس ثمة أشد خطورة من مروق الملك الذي يفصل نفسه عن قسم من رعاياه لأنهم لا يؤمنون بما يؤمن هو به"(71).

(13/236)


--------------------------------------------------------------------------------

ورد عليه جستين بقوله: إن من حقه أن يحرم من مناصب الدولة من لا يثق بولائهم له، وإن نظام المجتمع يتطلب وحدة العقيدة. وطلب الأريوسيون في الشرق إلى ثيودريك أن يحميهم، فطلب إلى البابا يوحنا الأول أن يسافر إلى القسطنطينية لدى الإمبراطور في أمر الأريوسيين
صفحة رقم : 4324
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

المفصولين من وظائفهم. ورد عليه البابا بأن هذه الرسالة لا تليق برجل أخذ على نفسه أن يقضي على الزيغ والضلال، ولكن ثيودريك أصر على مطلبه، وقوبل يوحنا في القسطنطينية بحفاوة بالغة، ثم عاد صفر اليدين، فاتهمه ثيودريك بالخيانة، وألقاه في السجن، حيث مات بعد سنة واحدة(72).

(13/237)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي هذه الأثناء كان ألبينوس وبؤيثيوس قد حوكما أمام الملك وأدينا وحكم عليهما بالإعدام. وروع هذا الحكم مجلس الشيوخ فأصدر مراسيم يتبرأ فيها منهما ويصادر أملاكهما، ويقر العقوبة التي حكم بها عليهما. وقام سيماخورس يدافع عن زوج ابنته فاعتقل. وألف بؤيثيوس وهو في السجن كتابا من أشهر ما ألف من الكتب في العصور الوسطى وهو كتاب سلوى الفلاسفة Consolatione Philosophiae، وجمع فيه بين النثر العادي والشعر البديع الساحر، لم يذرف فيه دمعه، بل كان كل ما يحويه هو تسليم كتسليم الرواقيين بتصرفات الأقدار التي تخبط خبط عشواء، ومحاولة صادقة للتوفيق بين مصائب الأبرار وما يتصف به المولى سبحانه وتعالى من حب للخير، وقدرة على كل شيء، وعلم سابق بما يقع في الكون من أحداث. ويذكر بؤيثيوس نفسه بجميع النعم التي توالت عليه في حياته- من ثراء و "حم نبيل، وزوجة طاهرة" وأبناء بررة. ويتذكر المناصب العليا التي شغلها، والساعة العظيمة التي هز فيها بفصاحة لسانه مشاعر أعضاء مجلس الشيوخ حين كان ولداه القنصلان هما رئيسيه. ويقول لنفسه إن هذه السعادة لا يمكن أن تدوم إلى أبد الدهر، بل لا بد أن توجه الأقدار بين الفينة والفينة لمن ينعم بها ضربة تطهره وتزكيه. وتلك السعادة العظيمة خليقة بأن تذهب تلك الجائحة القاصمة(73). ومع هذا فإن ذكرى تلك السعادة الماضية من شأنها أن تزيد من حدة الألم. وفي ذلك يقول بؤيثيوس في بيت من الشعر يردد دانتي صداه على لسان فرنسسكا Francesca: "إن أعظم ما يشفى به
صفحة رقم : 4325
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

(13/238)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:54 am

--------------------------------------------------------------------------------

الإنسان حين تصرعه الشدائد هو ذكرى ما كان ينعم به من سعادة"(74). وهو يسأل السيد الفلسفة- بعد أن ينزلها منزلة العقلاء كما يفعل أهل العصور الوسطى- عن موضع الفلسفة الحقه، ويتبين أنها لا تكون في المال أو المجد، ولا في اللذة أو السلطان؛ ومن ثم يرى أنه لا توجد سعادة حقه أو دائمة إلا في الاتصال بالله، ويقول إن "النعمة الحقه هي الاتصال بالله"(75). ومن أغرب الأشياء أنه ليس في الكتاب كله سطر واحد يشير إلى فساد الأخلاق الشخصية، وليس فيه إشارة إلى المسيحية أو أية عقيدة من عقائدها، ولا سطر واحد غير خليق بأن يكتبه زينون، أو أبيقور، أو أورليوس. ومن ثم فإن آخر كتاب في الفلسفة الوثنية قد كتبه مسيحي تذكر في ساعة موته أثينة لا جلجوثا Gelgotha.
ودخل عليه الجلاد في اليوم الثالث والعشرين من شهر أكتوبر من عام 524، ثم ربطوا عنقه بحبل وشدوه حتى جحظت مقلتاه وخرجتا من وقبيهما،ثم انهالا عليه ضربا بالعصي الغليظة حتى قضى نحبه، وقتل سيماخوس بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت. ويقول بروكبيوس(76) إن ثيودريك بكى لما ارتكبه من ظلم في حق بؤيثيوس وسيماخوس، وفي عام 526 لحق ضحيته إلى القبر.
ولم تبقى مملكته طويلا بعد موته، وكان قبل وفاته قد اختار حفيده أثلريك Athalric ليخلفه على العرش، ولم يكن حفيده هذا قد جاوز العاشرة من عمره ولذلك حكمت أمه أمالاسنثا Amalasuntha، وكانت امرأة نالت قسطا كبيرا من التعليم والتثقيف، وكانت صديقة لكسيدورس أو لعلها كانت تلميذة له؛ فلما شرعت تحكم البلاد باسم ولدها دخل في خدمتها كما كان من قبل في خدمة أبيها، ولكنها كانت تميل كل الميل إلى الأساليب الرومانية، فأغضبت بذلك رعاياها القوط، ولم يكونوا راضين عن الدراسات اليونانية واللاتينية القديمة التي
صفحة رقم : 4326
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> أوروبة تتشكل -> إيطاليا تحت حكم القوطيين الشرقيين -> بؤيثيوس

(13/239)


--------------------------------------------------------------------------------

كانت تضعف بها، كما يرون، مليكهم الصغير. لهذا أسلمت ابنها إلى مربين من القوط، وأطلق الصبي العنان لشهواته الجنسية، ومات في الثامنة عشر من عمره. وأجلست أمالاسنثا ابن عمها ثيوداهاد Theodahad معها على العرش بعد أن أخذت عليه المواثيق بأن يترك لها شؤون الحكم. ولكنه لم يلبث أن خلعها وألقاها في السجن، فطلبت إلى جستنيان، الذي أصبح وقتئذ إمبراطور الدولة البيزنطية، أن يخف لمعونتها، فجاءها بلساريوس Belisarius.

صفحة رقم : 4327
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

الباب الخامس
جستنيان
527-565
الفصل الأول
الإمبراطور
توفي أركاديوس في عام 408 وخلفه ابنه ثيودوسيوس الثاني، إمبراطورا على الشرق ولما يتجاوز السابعة من العمر. وقامت بلشيريا Pulcheria، وكانت تكبره بعامين، بتربيته، وكانت طوال المدة التي أشرفت فيها على تربيته تظهر من الجزع والإشفاق عليه مما جعله غير أهل للحكم، ولهذا ترك شئون الدولة لرئيس الحرس ولمجلس الشيوخ، وانهمك هو في نسخ المخطوطات القديمة وتزيينها، ويبدو أنه لم يقرأ قط كتاب القوانين الذي خلد اسمه. وفي عام 414 أصبحت بلشيريا وصية على العرش وهي في السادسة عشر من عمرها، وظلت تصرف شؤون الإمبراطورية ثلاثا وثلاثين سنة، ونذرت هي وأختها أنفسهن بأن يضللن عذارى. ويبدو أنهن قد أوفين بالنذر، فقد كن يلبسن ملابس بسيطة تنم عن الزهد والتقشف. ويؤلفن وينشدن الترانيم الدينية، ويصلين، وينشئن المستشفيات، والكنائس، والأديرة، ويغدقن عليها العطايا. واستحال القصر ديرا، وحرم دخوله إلا على النساء وعدد قليل من رجال الدين. وفي وسط هذه المظهر الدينية حكمت بلشيريا، وبوديسيا زوجة أخيها، ووزراؤهما، البلاد حكما صالحا، وهب الإمبراطورية الشرقية في خلال نيابتهما عن ثيودسيوس التي
صفحة رقم : 4328

(13/240)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

دامت اثنتين وأربعين سنة هدوءا لم تعهده من زمن بعيد، بينما كانت الفوضى ضاربة أطنابها في الغرب. وكانت أهم حوادث ذلك العهد الذي لم يمح ذكراها من صفحات التاريخ نشر شرائع ثيودوسيس (438). فقد عهد في عام 429 إن طائفة من فقهاء القانون بأن يجمعوا كل ما شن في الإمبراطورية من قوانين مذ جلس قسطنطين على العرش، ونفذت الشرائع الجديدة في الشرق والغرب على السواء، وظلت هي الشرائع المعمول بها في الإمبراطورية حتى نشرت شرائع جستنيان التي كانت أعظم منها وأوسع.
وحكم الإمبراطورية الشرقية بين ثيودوسيوس وجستنيان الأول حكام كثيرون، كان الناس يلهجون بذكرها في أيامهم، أما الآن فلا يكاد يعرف عنهم اكثر من أسمائهم. إن يسر العظماء كلهم لتذكرنا بأن الخلود قصير الأجل! وحسبنا أن نذكر من هؤلاء الحكام ليو الأول (457-774) الذي أرسل لمحاربة جيسريك (467) أكبر أسطول حشدته حكومة رومانية، ولكن هذا الأسطول هزم ودمر. وأحدث زينون الإصوري Zenothe Isaurian زوج ابنته شقاقا كبيرا بين الكنيستين اليونانية واللاتينية بسبب رغبته في تهدئة ثائرة اليعقوبين، وذلك حين قرر في رسالته "التوحيدية" المعروفة باسم الهنوتيكون Henoticon أن ليس للمسيح إلا طبيعة واحدة، وكان أناستاسيوس (491-518) رجلا قديرا، شجاعا، محبا للخير، دعم مالية الدولة بإدارته الاقتصادية الحكيمة، وخفض الضرائب، وألغى صراع الآدميين مع الوحوش في الحفلات والألعاب، وجعل القسطنطينية أمنع من عقاب الجو بإنشاء الأسوار الطويلة، التي كانت تمتد أربعين ميلا من بحر مرمرة إلى البحر الأسود، وانفق الكثير من أموال الدولة في غير هذه من الأعمال العامة الكثيرة، وترك في خزائنها 000ر320 رطل من الذهب (900ر400ر131 ريال أمريكي) هي التي مهدت السبيل لفتوح جستنيان. لكن الشعب لم يعجبه اقتصاده وميوله

(13/241)


--------------------------------------------------------------------------------

صفحة رقم : 4329
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

اليعقوبية، فحاصر الغوغاء قصره، وقتلوا ثلاثة من أعوانه. ثم أشرف عليهم تعلوه مهابة الشيوخ التي قاربت الثمانين، وعرض عليهم أن ينزل عن العرش إذا اتفق الشعب على من يختاره خليفة له. وكان هذا شرطا مستحيل التنفيذ. انتهى الأمر بعده بأن طلبت إليه الجماهير الثائرة أن يحتفظ بالتاج. ولما توفي بعد قليل من ذلك الوقت اغتصب الملك جستين، وهو شيخ أمي (518-527)، يحب الراحة التي يميل إليها ابن السبعين، ولذلك ترك حكم الإمبراطورية إلى جستنيان نائبه وابن أخيه.

(13/242)

--------------------------------------------------------------------------------

ولم يكن هذا الاختيار ليروق فيما بعد، ومن يوم أن ولد جستنيان نفسه, في عين بركبيوس مؤرخه وعدوه. ذلك بأن الإمبراطور قد ولد في عام 482 من أبوين مزارعين من أصل إليرى -أو لعله صقلبي(1)- يقيمان بالقرب من سرديكا Sardica وهي مدينة صوفيا الحالية. وجاء به عمه جستين الى القسطنطينية ورباه تربية صالحة. ولما أصبح جستنيان ضابطا في الجيش ولبث تسع سنين ياورا ومساعدا لجستين، أظهر في عمله براعة عظيمة. ولما مات عمه (527) خلفه على عرش الإمبراطورية، وكان وقتئذ في الخامسة والأربعين من عمره، متوسط القامة والبنية، حليق الذقن، متورد الوجه، متجعد الشعر، رقيق الحاشية، تعلو ثغره ابتسامة تكفي لأن تخفي وراءها ما لا يحصى من الأغراض، وكان متقشفا في طعامه وشرابه تقشف الزهاد، لا يأكل إلا قليلا، ويعيش معظم أيامه على الخضر(2). وكثرا ما كان يصوم حتى تكاد تخور قواه. وكان في أثناء صيامه لا ينقطع عما اعتاده من الاستيقاظ مبكرا، وتصريف شئون الدولة "من مطلع الفجر إلى الظهيرة، وإلى غسق الليل"، وكثيرا ما كان يظن أعوانه أنه قد آوى إلى مضجعه، بينما كان هو منهكما في الدرس، يبذل جهده ليكون موسيقيا ومهندسا ومعماريا، وشاعرا ومشترعا، وفقيها في الدين وفيلسوف، وإمبراطورا يجيد تصريف شئون الإمبراطورية. ولكنه رغم هذا كله لم يتخل عن خرافات
صفحة رقم : 4330
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

(13/243)


--------------------------------------------------------------------------------

عصره. وكان ذا عقل نشيط على الدوام، عظيم الإلمام بالشؤون الكبرى والتفاصيل الصغرى. ولم يكن قوي الجسم أو شجاعا، وقد حدثته نفسه بالتخلي عن الملك في أثناء المتاعب التي قامت في بداية حكمه ولم ينزل قط إلى الميدان في حروبه الكثيرة. ولعل من عيوبه الناشئة من دماثة خلقه ورقة طبعه، أن كان من السهل على أصدقائه أن يؤثروا فيه ومن أجل هذا كان كثيرا ما يتقلب في سياسته. ويخضع في أحكامه لزوجته. وقد خص بروكبيوس جستنيان بمجلد كامل من تاريخه، يصفه بأنه "عديم الإخلاص، مخادع، منافق، يخفي عن الناس غضبه، يظهر غير ما يبطن، حاذق، قادر كل المقدرة على التظاهر بالرأي الذي يدعي أنه يعتنقه، بل إنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يذرف الدمع من عينيه 000 إذا اقتضت الظروف ذلك"(3). وغير هذا كله يصح أن يكون وصفا للدبلوماسي القدير. ويواصل بروكبيوس وصفه فيقول : "وكان صديقا متقلبا في صداقته، عدوا إذا عقد هدنة لا يحافظ على عهده، حريصا كل الحرص على الاغتيال والنهب" ويلوح أنه كان يتصف بهذا كله في بعض الأوقات، ولكنه كان يستطيع أن يكون رحيما كريما. ومن ذلك أن قائدا يدعى بروبوس Probus قد اتهم بسبه، فجئ به ليحاكم بتهمة الخيانة، ولما عرض التقرير الذي وضع عن محاكمته على جستنيان قام من مقعده وأرسل رسالة إلى بروبوس يقول فيها : "إني أغفر لك ما ارتكبته من ذنب في حقي، وأدعو الله أيضا أن يسامحك"(4). وكان يقبل النقد الصريح ولا يغضب منه "وكان هذا الرجل الظالم"، الذي رزئ بمؤرخه "أسهل منالا من أي إنسان آخر في العالم، وكان أحقر الناس في الدولة، ومن لا شأن لهم فيها على الإطلاق، يستطيعون كلما شاءوا أن يأتوا إليه ليتحدثوا معه"(5).
ومع هذا فقد عمل على أن يجعل ما كان يقام في بلاط الإمبراطور من مراسيم وحفلات غاية في الأبهة والفخامة، حتى فاقت ما كان يحدث منها في أيام دقلديانوس
صفحة رقم : 4331

(13/244)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

وقسطنطين. وكان كنابليون يعوزه التأييد الذي يناله المليك الشرعي، وذلك لأنه ورث الملك من مغتصب له. ولم يكن مهيبا في مظهره ومنشئه، ومن أجل هذا عمد إلى طقوس ومراسيم تبعث الرعب في القلوب كلما ظهر أمام الجماهير أو السفراء الأجانب. ولهذا السبب عينه شجع فكرة الملكية المقدسة، واستخدم لفظ مقدس في وصف شخصه وملكه؛ وكان يطلب إلى من يمثلون أمامه أن يركعوا ويقبلوا أطراف ثوبه الأرجواني، أو أصابع قدميه من فوق حذاءيه . وعمل على أن يعمده ويتوجه بطريق القسطنطينية، ولبس قلادة اللؤلؤ. وقصارى القول أنه ما من حكومة قد عملت ما عملته الحكومة البيزنطية لتنال إجلاء الشعب له عن طريق المراسيم الفخمة، ولقد كان لهذه السياسة أثرها إلى حد كبير؛ ولسنا ننكر أنه قد حدثت انقلابات كثيرة في تاريخ البيزنطية ولكنها كانت في معظم الأحوال انقلابات مفاجئة قام بها موظفو القصر، لأن الحاشية نفسها لم تكن ترهبها ما وضعته لنفسها من مراسيم وطقوس.
وكانت أكبر فتنة قامت في عهد جستنيان هي التي حدثت في بدايته (532) وكادت أن تقضي على حياته. وكان سببها أن الخضر والزرق- وهم الحزبان اللذان انقسم إليهما أهل القسطنطينية حسب الثياب التي كان يلبسها راكبو خيول السباق المحببون- قد بلغت الخصومة بينهم حد العنف، حتى أصبحت شوارع العاصمة غير مأمونة، وحتى أضطر الأغنياء إلى أن يرتدوا ملابس الفقراء المساكين لينجوا بذلك من طعنات الخناجر في الليل. وانقضت الحكومة آخر الأمر على الطائفتين المتنازعتين، وقبضت على عدد كبير من زعمائهما، فما كان من هذين الحزبين إلا أن ضما صفوفهما وقاما بفتنة مسلحة ضد الحكومة، وأكبر
صفحة رقم : 4332
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> الإمبراطور

(13/245)


--------------------------------------------------------------------------------

الظن أن بعض الشيوخ قد اشتركوا في هذه الفتنة أو حاول رعاع المدن أن يقلبوها ثورة عارمة، فهجموا على السجون، وأطلقوا سراح المسجونين، وقتلوا عددا من رجال الشرطة والموظفين، وأشعلت النار في المباني، وحرقت كنيسة أياصوفيا وأجزاء من قصر الإمبراطور، وهتفت الجماهير قائلة "Niha" أي النصر- وبذلك أطلق هذا الاسم على تلك الفتنة. وأفقد هذا النصر العظيم وعيه، فطالب إبعاد اثنين من أعضاء مجلس جستنيان ، لم يكن يحبهما، ولعل سبب ذلك انهما كانا من ظلمة الحكام، ووافق الإمبراطور على هذا الطلب، فازداد العصاة جرأة وأقنعوا هيباشيوس Hypatius، أحد الشيوخ ، بأن يقبل التاج، فقبله على الرغم من معارضته زوجته وتوسلها إليه ألا يقبله، وخرج بين هتاف الجماهير ليجلس على مقعد الإمبراطور في الألعاب التي كانت قائمة على قدم وساق في الميدان الكبير. واختبأ جستنيان أثناء ذلك في القصر، وأخذ يدبر أمر الهرب، ولكن الإمبراطورة ثيودورا أقنعته بالعدول عن هذه الفكرة، وأشارت عليه بالمقاومة. وتعهد لبساريوس قائد الجيش أن يقوم بهذا العمل، واختار من بين جنوده عددا من القوط، وسار على رأسهم إلى ميدان الألعاب، وقتل ثلاثين ألفا من العامة، وقبض على هيباشيوس، وأمر بقتله في السجن. وأعاد جستنيان الموظفين المفصولين إلى عملهما، وعفا عن المتآمرين من أعضاء مجلس الشيوخ، ورد إلى أبناء هيباشيوس ما صودر من أملاكهم(6). وظل جستنيان بعد هذه الفتنة آمنا على نفسه وملكه خلال الثلاثين عاما التالية، ولكن يبدو أن إنسانا واحدا لا أكثر هو الذي كان يحبه.

صفحة رقم : 4333
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا

الفصل الثاني
ثيودورا

(13/246)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
البرت ديماس
الامبراطور
الامبراطور


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 25/01/2008
العمر : 22
الموقع : ام الدنيا

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : قصة الحضارة   الأربعاء مارس 12, 2008 5:55 am

--------------------------------------------------------------------------------

وصف بروكبيوس في كتاب له عن فن البناء تمثالا لزوجة جستنيان فقال : "إنه جميل، ولكن جماله أقل من جمال الإمبراطورة؛ ذلك بأن التعبير عن جمالها بالقول، أو إبرازه في تمثال عمل لا يستطيعه مخلوق من البشر"(7).
ولسنا نجد في كل ما كتب هذا المؤرخ- وهو أعظم المؤرخين بالبيزنطيين على بكرة أبيهم- إلا الثناء على ثيودورا، إذا استثنينا موضعا واحدا لا أكثر من هذا التعميم. ولكن بروكبيوس قد كشف في كتاب له لم ينشر في أثناء حياته- ولهذا سمى الأنكدوتا Anecdota "أي الذي لم يخرج" _ عن فضيحة للملكة قبل زواجها. وقد بلغت هذه القصة عن الشناعة حدا بعث على الشك فيها وجعلها مثارا للجدل مدى ثلاثة عشر قرنا. وهذا "التاريخ السري" موجز لما كان في صدر المؤرخ من حقد دفين صريح، وقد كتبه من وجهة نظر واحدة، وخصه كله بتسوءة سمعة جستنيان وثيودورا، وبليساريوس بعد وفاتهم. وإذا كان بروكبيوس هو أهم المراجع التي نعتمد علها في تأريخ ذلك العصر، وإذا كان هو نفسه يبدو في مؤلفاته الأخرى دقيقا نزيها، فإنا لا نستطيع أن نرفض الأنكدوتا ونعدها كلها تزييفا وافتراء، وكل ما نستطيع أن نقوله فيها هو أنها انتقام عمد إليه رجل غاضب من رجال الحاشية لم تتحقق مطامعه. وها هو ذا جون الإفسوسي، الذي كان يعرف الإمبراطورة حق المعرفة، لا يطعن عليها بأكثر من قوله فيها : "ثيودورة العاهر"(6). وفيما عدا هذا فإنا قلما نجد في أقوال المؤرخين المعاصرين ما يؤيد التهم التي رماها بها بركبيوس. نعم إن كثيرين من رجال الدين ينددون بمروقها. ولكن ما من أحد منهم يذكر شيئا عن فجورها - وهو كرم منهم
صفحة رقم : 4334
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا

(13/247)


--------------------------------------------------------------------------------

لا يقبله العقل إذا كانت فاجرة بحق. وقد يكون في مقدورنا أن نستنتج من كل ما يقال عن ثيودورا أنها بدأت حياتها سيدة غير مكملة، واختتمتها ملكة متصفة بجميع صفات الملوك الطيبة .
ويقول بروكبيوس قول الواثق إنها ابنة مدرب دببة، وإنها نشأت في جو حلبة ألعاب الوحوش، ثم صارت ممثلة ومومسا، تثير مشاعر أهل القسطنطينية، وتدخل البهجة في قلوبهم بتمثيل المسرحيات الصامتة الخليعة. ونجحت أكثر من مرة في إجهاض نفسها، ولكنها ولدت أبنا غير شرعي، وصارت عشيقة رجل سوري يدعى هسبولوس Hecebolus ثم هجرها هذا العشيق، واختفت عن الأعين فترة من الزمان في الإسكندرية، عادت بعدها إلى الظهور في القسطنطية فقيرة ولكنها عفيفة شريفة، تكسب قوتها بغزل الصوف، ثم أحبها جستنيان، فاتخذها عشيقة له، ثم تزوج بها وجعلها ملكة(9). وليس في وسعنا الآن أن نعرف على وجه التحقيق ما في هذه الأقوال من صدق وكذب؛ ولكن الذي نستطيع أن نقوله إذا كانت هذه المقدمات لم تقلق بال إمبراطور فهي خليقة بألا نقف عندها طويلا. وتوج جستنيان في كنيسة القديسة صوفيا بعد أن تزوجها بزمن قليل، وتوجت ثيودورا إمبراطورة إلى جانبه، ويقول بركبيوس إنه "من قسيس أظهر غضبه لهذا الإجرام الشنيع"(10).
وأيا كان منشأ ثيودورا فإنها أضحت بعد زواجها بالإمبراطور سيدة لا يستطيع أحد أن يتهمها في عفافها. وكانت تحب المال والسلطان حبا جما، وتثور في بعض الأحيان ثورة جامحة، وتدبر المؤامرات لتصل إلى أغراضها التي لا تتفق مع أغراض جستنيان. وكانت نؤوما، تكثر من الطعام والشراب ، وتحب الترف، والحلي، والمظاهر، وتقضي عددا كبيرا من اشهر السنة في قصورها القائمة عل شاطئ البحر. لكن جستنيان ظل طول حياته يحبها رغم هذه الصفات، ويصبر صبر الفلاسفة على تدخلها في خططه وأعماله. لقد خلع عليها وهو كلف بها حلة
صفحة رقم : 4335

(13/248)


--------------------------------------------------------------------------------

قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا

من السيادة لا تقل من الوجهة النظرية عن سيادته هو، ولم يكن في مقدوره أن يشكو إذا مارست هذه السيادة. وقد اشتركت اشتراكا فعليا في السياسة الخارجية والشئون الكنسية. وكانت تنصب البابوات والبطارقة وتخلعهم، وتعزل أعداءها من مناصبهم. وكانت في بعض الأحيان تصدر من الأوامر ما يتعارض وأوامر زوجها، وكثيرا ما كانت أوامرها هي في صالح الدولة، ذلك أن ذكائها كان يتناسب مع سلطانها. ويتهمها فبروكبيوس بقسوتها على معارضيها، وبأنها ألقت بعضهم في الجب وقتلت عددا قليلا منهم، وكان الذين يسيئون إليها إساءات شديدة يختفون دون أن يقف لهم أحد على أثر، وكانت تسير في هذا على المبادئ الأخلاقية السائدة بيننا في هذا القرن الذي نعيش فيه. لكنها لم يخل قلبها من الرحمة، من ذلك أنها بسطت حمايتها على البطريق أنثميوس الذي أمر جستنيان لنفيه لمروقه من الدين وأخفته في جناحها عامين كاملين. ولعلها كانت لينة فوق ما ينبغي مع زوجة بليساريوس التي عرفت بالزنى. ولكنها كفرت عن هذا بإقامة "دير للتوبة" جميل تلجأ إليه العاهرات التائبات. على أن بعض التائبات قد تبن من توبتهن، وألقين بأنفسهن من النوافذ لأنهن ضقن ذرعا وفضلن عليه الموت(12). وكانت تعنى عناية الجدات بزواج صديقاتها، وكان لها هي الفضل في ترتيب هذه الزيجات، وكثيرا ما كانت تجعل الزواج شرطا أساسيا للرقي في بلاطها. وقد صارت في شيخوختها حارسة قوية الشكيمة للأخلاق الكريمة وهو ما ينتظره الإنسان من أمثالها.

(13/249)


--------------------------------------------------------------------------------

ثم وجهت عنايتها في آخر حياتها لدراسة الدين، وكانت تناقش زوجها في طبيعة المسيح. فقد كان جستنيان يبذل غاية جهده ليوحد الكنيستين الشرقية والغربية لاعتقاده أن الحدة الدينية لابد منها لوحدة الإمبراطورية. غير أن ثيودورا لم تكن تستطيع أن تفهم وجود طبيعتين في المسيح. وإن لم تجد صعوبة ما في وجود ثلاثة أقانيم في الله. ومن أجل هذا اعتنقت مذهب اليعاقبة،
صفحة رقم : 4336
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> ثيودورا

وهي تعلم أن الشرق لا يمكن أن يخضع للغرب في هذه العقيدة. لكنها كانت ترى أن قوة الإمبراطورية ومستقبلها إنما يعتمدان على ولايتها الغنية في آسية وسوريا، ومصر، لا على ولايتها الغربية التي خربها البرابرة وأهلكتها الحروب. وكان لها الفضل في تخفيف حدة تعصب جستنيان للمذهب الديني الأصيل، وبسطت حمايتها على الخارجين على هذا المذهب، وتحدت البابوية، وشجعت خفية قيام كنيسة يعقوبية مستقلة في الشرق؛ ولم تترد في سبيل تحقيق هذه الغايات في أن تعارض بكل ما تستطيع من قوة الإمبراطور والبابا على السواء.

صفحة رقم : 4337
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس

الفصل الثالث
بليساريوس

(13/250)
--------------------------------------------------------------------------------

في وسعنا أن نغتفر لجستنيان شغفه العظيم بالوحدة، لأن هذا الشغف من أعظم ما يولع به الفلاسفة ورجال الحكم على السواء؛ ولقد اقتضاهم في بعض الأحيان أكثر مما اقتضتهم الحرب. ولم تكن استعادة أفريقية من الوندال، وإيطاليا من القوط الشرقيين، وأسبانيا من القوط الغربيين، وغالة من الفرنجة، وبريطانيا من السكسون؛ ولم يكن طرد البرارة إلى مرابضهم، وإعادة الحضارة الرومانية إلى جميع ميادينها القديمة، ونشر الشريعة الرومانية مرة أخرى في جميع بقاع الرجل الأبيض من الفرات إلى سور هدريان، لم تكن هذه المطامع كلها مطامع غير نبيلة، وإن كانت قد أنهكت المنقذين ومن أريد إنقاذهم على السواء. وكان من الوسائل التي اتبعها جستنيان لبلوغ هذا الغرض أن أزال ما بين الكنيستين الشرقية والغربية من نزاع حول مسألة البابوية، وكان من أكبر أمانيه أن يرد الأريوسيين واليعاقبة وغيرهما من الخارجين على الدين إلى حظيرته، ولم يكن أحد قد فكر في هذا كله منذ أيام قسطنطين.
ولقد كان من حسن حظ جستنيان أن وهب قادة عظماء، ومن سوء حظه أنه كانت موارده المالية قليلة - فلقد كان شعبه غير راغب في الحروب التي كان يريد أن يخوض غمارها، وغير قادر على أداء ما تطلبه من نفقات. وسرعان ما استنفذ الثلاثمائة والعشرين ألف رطل من الذهب التي تركها أسلاف جستين في خزانة الدولة، واضطر بعد استنفادها أن يلجأ إلى الضرائب التي نفرت من قلوب الشعب، وإلى ضروب الاقتصاد التي عرقلت أعمال قواده. وكانت الخدمة العسكرية الإجبارية العامة قد امتنعت قبل عهده بنحو مائة عام، وأصبح جيش
صفحة رقم : 4338
قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> جستنيان -> بليساريوس

(13/251)


--------------------------------------------------------------------------------

الإمبراطورية يتألف كله تقريبا من جنود مرتزقة من البرابرة يؤتى بهم من مائة قبيلة ودولة، ويعيشون على النهب والسلب، ويحلمون بالثراء والاغتصاب؛ وكثيرا ما كانوا يشقون عصا الطاعة في أشد أزمات القتال، وكثيرا ما فقدوا ثمار النصر لاشتغالهم بجمع الغنائم والأسلاب، ولم يكن شئ يجمعهم ويؤلف بينهم، أو يشحذ هممهم إلا أداء أجورهم بانتظام أو خضوعهم لقواد عظام.
وكان بليساريوس، كما كان جستنيان، منحدرا من أسرة من الفلاحين الإليريين، ويذكرنا بالأباطرة البلقانيين_ أورليوس، وبروبوس، ودقلديانوس- الذين أنجو الإمبراطورية في القرن الثالث. ولسنا نعرف من أيام قيصر قائدا قبل بليسلريوس انتصر في وقائع كالتي انتصر فيها هذا القائد بمثل موارده القليلة من الرجال والمال. وما أقل من تفوقوا عليه في رسم الخطط الحربية أو الحركات العسكرية، وفي حب رجاله له وشفقته على أعدائه. ولعل مما يجدر ذكره في هذا المقام أن أعظم القواد - كالإسكندر، وقيصر، وبليساريوس، وصلاح الدين، ونابليون - قد وجدوا أن الرحمة أقوى من اسلحة الحروب، ولقد كان بليساريوس، كما كان أولئك القواد، ذا احساس مرهف وقلب رقيق يجعلان من الجندي محبا وإلها بمجرد فراغه من واجباته الدموية. ومصداق هذا أن بليساريوس كان يشغف بحب أنطونيا كما كان الإمبراطور يشغف بحب ثيودورا. وكان هذا القائد يتحمل خيانتها له، ولا يلبث أن ينسى غضبه من هذه الخيانة، وكان يصحبها معه في حروبه لكثير من الأسباب.
وكان أول ما نال من النصر في حروبه مع الفرس. ذلك أن الحرب قد تجددت بين الإمبراطوريتين بسبب المنافسة القديمة بينهما للسيطرة على الطرق التجارية المؤدية إلى أواسط آسية وبلاد الهند، وبعد أن جنحا للسلم مدى مائة وخمسين عاما. وبينما كان بليساريوس يتابع انتصاراته المجيدة إذ أستدعى فجأة إلى القسطنطينية، وكان سبب استدعائه أن جستنيان عقد الصلح مع
صفحة رقم : 4339

(13/252)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmmedsamy.yoo7.com
bakoor



عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 12/03/2008

مُساهمةموضوع: اصلح الله حالك وجعلك نبراسا للعلم   الأربعاء مارس 12, 2008 6:36 am

كل الشكر والتحيه للمحرر المنتدى العظيم (احمد باشا ) . cheers

ليكن الاخلاص دستور عمل ونضال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الكتاب : قصة الحضارة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البرت ديماس :: الامبراطور :: التاريخ والادب-
انتقل الى: